ديودوني محارب ساخر يتجرأ على انتقاد الهولوكوست

الخميس 2015/01/22
ديودوني يعتبر ملهم الكوميديين المغاربة المقيمين في فرنسا

لم تعد أخبار الأعمال المسرحية للكوميدي الفرنسي من أصول كاميرونية، ديودوني، هي التي تصلنا عنه، وإنما أخبار اعتقالاته ومحاكماته في بلد من أكثر البلدان التي تتباهى بارتفاع سقف الحريات فيها. إنه ظاهرة ثقافية وسياسية فريدة، قادرة على الوصول إلى الناس رغم التضييق الرسمي والعدوانية التي يواجه بها من قبل النخب السياسية والثقافية في فرنسا.

ديودوني يرى أن “كل شيء يجب أن يتعرض للسخرية، كي ينضج أو لكي يذوب إذا كان زائفا”، يبدو أنه يرسم حدودا لظهوره الفني ويصنع عداوات شخصية وفكرية، قد تمنع هذا الفنان الساخر من مواصلة مشواره.

في بدايات سنة 2014، منع ديودوني من العرض في كل المسارح الفرنسية على خلفية اعتباره “لا ساميا”، تهمة أصبحت ممجوجة غير أنها ما زالت متسلطة على رقاب وألسنة الكثير من الفنانين والمفكرين.

لقد اتخذ ديودوني من الصهيونية موضوعا مثيرا للسخرية، فكان لا بد أن يتعرض ذات يوم لقصة الهولوكوست بالتفكيك والسخرية، وهو ما جلب له عدوانية المشهد الفني الفرنسي.

منذ بداياته، كانت نصوص ديودوني المسرحية كثيرة التقاطع بالسياسة. اتخذ، في أول مشواره، من الماضي الاستعماري لفرنسا المحور الأبرز الذي تدور حوله أعماله، ثم ظهر في السنين الأخيرة واحدا من أبرز مناهضي الصهيونية في العالم متحمّلا مسؤولية هذا القرار بشجاعة من يملك الأدوات لكشفها.

ثم ها هو يلتقط التفات الساحة الفرنسية لظاهرة الإرهاب بعد حادثة “شارلي إيبدو” ليشكل منه مادة جديدة للسخرية. حاول ديودوني أن ينظر إلى المسألة من زاوية جديدة، فكتب على صفحته في موقع تويتر شعار “أنا شارلي كوليبالي”، وهو ما كلفه الاعتقال.

ولد ديودوني مبالا مبالا من زواج مختلط عام 1966 في فرنسا. الأب محاسب كاميروني يحمل نفس الاسم: ديودوني مبالا مبالا، وأمّه رسامة فرنسية. دون أي تكوين أكاديمي، بدأ مشواره الفني ككاتب مسرحي لصديق طفولته في ضواحي باريس إيلي سامون، ثم أصبحا الثنائي إيلي وديودوني.

يلعب الأول دور اليهودي كوهين، فيما يلعب الثاني دور الأسمر بوكاسا. وكانت الأعمال (سكيتشات في الغالب) تدور في فلك النقد الاجتماعي، وخاصة تعامل الفرنسيين مع العرقيات الأجنبية في الضواحي. مع بداية التسعينات، ذاع صيت الثنائي بقوة عبر وسائل الإعلام، وقدّما مادة كوميدية بنكهة خاصة وبقيمة ثابتة، ولم يكن ينظر إليهما إلاّ كفريق عمل غير قابل للتجزئة حتى عام 1997.

آنذاك، قرّرا الانفصال لأسباب لم تعلن وقتها، ولكن يبدو أن اختلافا في التوجّهات والقناعات هو الذي حال دون مواصلة المشوار المشترك. ففي سنة 2009 حين سئل إيلي سامون عن الموضوع قال “إن ديودوني ابتعد كثيرا في عالم الكراهية”، فيما يرد ديودوني، في وقت لاحق أن زميله السابق “قد دخل في منظومة تريد أن تحارب أي صوت ينتقد اليهود ومخططاتهم في فرنسا والعالم”.

ديودوني يبدو من أبرز مناهضي الصهيونية في العالم متحملا مسؤولية هذا القرار بشجاعة من يملك الأدوات لكشفها

ديودوني هو أيضا صاحب نزوات سياسية عجيبة. فقد أعلن، عام 2002، عن نيّته للترشح للانتخابات الرئاسية عن حزب لم يسمع به أحد من قبل هو حزب “الطوبائيين”، بيد أنه لم يتحصّل على النصاب القانوني من التواقيع، لكي يستطيع خوض المعركة الانتخابية.

مثل الــــترشح للانتخابات بانتظام، خاصة منها البلدية، فرصة لديودوني للالتقاء بالناس تحت سقف قانوني، وإيصال ما يريده لهم دون ضغوط المنتجين ودور العرض. هذا ليس بأمر غريب عن مسيرة ديودوني، فهو الذي طالما بحث عن سبل مبتكرة للوصول إلى الجمهور.

وحين تتعرض أعماله للتوقيف أو التشويش خلال العرض، سرعان ما يذهب بسكاتشاته ليقدمها في الساحات العامة، أو وسط الحافلات المزدحمة في باريس. وحين تواترت محاكماته التي تقارب العشرين، أصبحت المرافعات فرصة لتمرير مشاهد مسرحية. من جهة أخرى، تواكب أعمال ديودوني الأحداث السياسية في فرنسا، وهو الذي يعتبر نفسه مؤرّخا للحياة السياسية الفرنسية بالسخرية. لقد تناول منذ 1997 كل مواضيع الجدل التي برزت.

ففي مسرحية “1905” انتقد تفاهة الجدل السياسي القائم في فرنسا حول الحجاب. وفي كل موسم انتخابات كان يقلد زعماء الأحزاب المتنافسة، وقد كانت شخصية ساركوزي موضوعا مفضلا لديه، وكذلك فضائح النخبة السياسية خاصة قضية دومينيك ستروتس كان.

السخرية من الأديان تعدّ هي الأخرى إحدى ملامح تجربة ديودوني الفكاهية، غير أنه لا يتورط في الاستفزاز المباشر للمقدسات الدينيــة، علاوة على أنه يسخر من الملــــحدين ومن العلمانية الفرنسية وعدوانيتها المجانية للإسلام.

كثيرا ما يتساءل المتابعون: “كيف يموّل ديودوني مشاريعه الفنية؟”. في العموم، توفر له العداوات التي تصنعها مسيرته أنصارا. إذ يتلقى الدعم من عدة منظمات غير حكومية في العالم، كما أنه لا ينكر دعم بعض الدول، والتي تربطه بقياداتها علاقات طيّبة مثل ليبيا زمن حكم القذافي أو فنزويلا.

فنان فرنسي قال في عاصمة الأنوار والحريات "أنا شارلي كوليبالي" فاعتقل

وخلال التدخل العسكري للناتو في ليبيا، قام ديودوني بزيارة شخصية للعقيد معمّر القذافي كتعبير عن معارضة الاعتداء العسكري على بلد مستقل.

بتقدم الأعوام يظهر كفنان متعدد الاختصاصات، إذ شارك في العديد من الأعمال الموسيقية خاصة ضد العنصرية. كما يُعرف ديودوني أيضا بإنتاج الأفلام الوثائقية، وغالبا ما تكون مخصّصة لفضح جرائم الصهيونية كما في آخر أعماله الوثائقية “أنتيسميت”، والذي يعرض حصريا في موقعه الرسمي لعلمه أنه سيحارب إذا استعمل طرق التوزيع العادية.

كل هذا التضييق لم يمنع ديودوني من البقاء مؤثرا في المشهد الفني الفرنسي، ويعود ذلك لسبب بسيط هو أن جيلا كاملا من الكوميديين قد اتخذه ملهما، فكثيرة هي الأفكار التي التقطوها من عند ديودوني في مسرح “الوان مان شو” ووظفوها في أعمالهم، ولعل جيل المغاربيين الذي يهيمن على المشهد الكوميدي اليوم في فرنسا هو أبرز أجيال المتأثرين بديودوني.

لكن، لا تعني له كل هذه التقديرات كثيرا. فلم يعد ديوديوني يرى نفسه كوميديا في المرآة، وإنما يحب أن يكون رجل نضالات. إنه يحب أن يطلق على نفسه صفة “محارب في حلبات السخرية”. تلك السخرية التي ينبغي أن تمارس بكل حرية، لأنها هي أم الحريات جميعا.

16