ديون الطباعة ورقة ضغط تشهرها الحكومة بوجه الصحف الجزائرية

تدرك السلطات الجزائرية الأزمة الخانقة التي تعاني منها الصحافة الورقية في البلاد، لكنها تحاول تكبيلها بالمزيد من الضغوط قبل الانتخابات الرئاسية، بمطالبتها بتسديد ديون المطبعة خلال مهلة قصيرة جدا، وهو ما يعتبر مستحيلا للعديد من هذه الصحف ويجعلها على حافة الإفلاس والإغلاق.
الثلاثاء 2018/02/27
صحافة تحتضر

الجزائر - تسود حالة من القلق والغموض لدى ناشري الصحف الجزائرية الخاصة، بعد تلقيهم إنذارات قضائية من المطبعة الحكومية لتسديد الديون المترتبة عليهم، رغم التطمينات التي أطلقها وزير الاتصال جمال كعوان، للفاعلين في الساحة الإعلامية حول التزام الدولة بدعم ومساعدة الصحافة والإعلام المحلي ورفع سقف الحريات.

وأرسلت المطبعة الحكومية في وسط العاصمة الجزائر، هذا الأسبوع، إنذارات إلى ناشري الصحف، تخيرهم بين تسديد ديونهم خلال مهلة لا تتجاوز الأسبوع، أو إحالة ملفاتهم إلى القضاء لتسوية النزاع بين الطرفين، وهو ما يهدد معظم ناشري الصحف الخاصة، ويضع مستقبل مؤسساتهم أمام المجهول.

وجاء في نص رسائل الإنذار التي اطلعت عليها “العرب”، أن “تراكم الديون لدى مؤسستكم ينهك التوازنات المالية لمؤسسة الطبع ويخل بالالتزامات والعقود المبرمة بيننا، وأن التخلف عن تسديد الدين في الآجال المذكورة يعرض صاحبها للمتابعة القضائية”.

ويجمع معظم الناشرين على أن الوضع يتجه نحو منحى خطير بهذا الإجراء، لأن غالبية المؤسسات الإعلامية عاجزة عن الوفاء بديونها، وهذه الإنذارات إن لم تكن ورقة ضغط لتحصيل حقوق المطبعة الحكومية، فإنها مؤشر على مأزق لا مخرج منه، لأن النزاع سيفضي من دون شك إلى توقف العشرات من الصحف في المدى القريب.

وصرح ناشر طلب عدم الكشف عن هويته لـ”العرب”، بأن “غالبية الصحف الورقية تمر بأزمة خانقة في السنوات الأخيرة، بسبب تقلص مداخيلها من الإعلان إلى مستويات غير مسبوقة، وأن تهديد المطبعة الحكومية جاء معاكسا لخطاب وزير الاتصال، الذي شدد منذ أيام فقط على التزام الحكومة بدعم ومساعدة المؤسسات الإعلامية”.

وأضاف “العشرات من الصحف توقفت عن الصدور في السنوات الأخيرة، بسبب أزمة الإعلانات وسوء توزيع الكميات المتوفرة، وأعتقد أن المصير نفسه ينتظر غالبية الصحف التي تقاوم في صمت، وأن المئات من الصحافيين سيحالون على البطالة تدريجيا، بسبب غياب الإرادة الحقيقية في إنقاذ القطاع”.

وتحصي الجزائر حسب أرقام وزارة الاتصال، نحو 160 صحيفة يومية محلية في مختلف أنحاء البلاد، إلى جانب العشرات من الأسبوعيات والدوريات، إلا أن الرقم آخذ في الانحدار بسبب الأزمة المالية، الناجمة عن تقلص سوق الإعلانات الذي تحتكره الوكالة الوطنية للنشر والإشهار (الإعلان) وبعض الوكالات الخاصة، فضلا عن هيمنة الانتقائية والولاء في توزيع الإعلانات المتوفرة حاليا.

جمال كعوان: المؤسسات الإعلامية ملزمة بالبحث عن مصادر تمويل أخرى
جمال كعوان: المؤسسات الإعلامية ملزمة بالبحث عن مصادر تمويل أخرى

وكان وزير الاتصال جمال كعوان قد كشف في وقت سابق عن إغلاق 60 مؤسسة إعلامية، لكنه لم يبد أي رؤية أو خطة حكومية لإنقاذ القطاع الذي يستقطب نحو أربعة آلاف صحافي والمئات من الموظفين والفنيين، بحسب إحصائيات اللجنة المؤقتة التي استحدثت لمنح بطاقة الصحافي المحترف.

كما أضفى الطابع التجاري البحت على المؤسسات الإعلامية، عندما تحدث عن “زوال صحف في المستقبل، بسبب عدم قدرتها على الصمود في السوق”، وشدد على أن المؤسسات الإعلامية ملزمة بالبحث عن مصادر تمويل أخرى وعدم الاتكال على الإعلان الحكومي وحده، وأن الصحافة الإلكترونية باتت تشكل البديل والمنافس القادم بقوة.

ويتطلع جل الناشرين بعين القلق لما ستسفر عنه تهديدات المطبعة الحكومية بعد انقضاء المهلة في غضون الأسبوع القادم، وإمكانية ملاحقتهم قضائيا، ما قد ينتهي إلى تشديد الإلزام بدفع الديون المتراكمة، وهي الخطوة التي قد تدفعهم إلى إغلاق جماعي لمؤسساتهم وتسريح الصحافيين والعمال.

ودفاعا عن الاتهامات التي وجهت للسلطة، على خلفية توظيف المطابع والإعلان الحكومي لتطويع العناوين المتمردة في خياراتها السياسية، والتمهيد لتطهير الساحة المشبعة في مجال الصحافة الورقية، أكد وزير الاتصال بأننا “نحن لسنا رؤساء تحرير ولا مفوضين سياسيين.. نتابع تطور الصحافة ونأمل أن تتحمل مسؤولياتها أكثر في الالتزام بأخلاقيات المهنة”.

وأضاف “الصحافة لا يمكن أن تكون محترفة إلا إذا التزمت بأخلاقيات المهنة، فمن المهم أن تكون الصحافة الجزائرية حرة ومسؤولة، وذلك بالابتعاد عن الإساءة والمساس بالأشخاص، فلا يمكن المساس بشخصية الرئيس كما لا يمكن الإساءة لأي مواطن عادي”.

ولفت إلى أنه “لا يمكن للصحافة الجزائرية أن تصمد دون دعم الدولة المباشر وغير المباشر، والذي لم ينقطع رغم الظروف الاقتصادية والمالية الصعبة التي تمر بها البلاد منذ سنوات، وأن ملف استحداث صندوق دعم الصحافة هو قيد الدراسة بغرض مساعدة الصحف في المستقبل القريب على تحمل تبعات واقع الأزمة الاقتصادية والمالية الخانقة ومساعدتها على البقاء”.

وتعتمد الصحف الورقية في الجزائر، بشكل شبه كلي على إيرادات الإعلان الحكومي، لتغطية نفقات الطبع ورواتب الصحافيين والموظفين، في حين يبقى الإعلان الخاص حكرا على عدد محدود من الصحف، بدعوى ضعف توزيعها وانتشارها.

وفي انتظار تجسيد مشروع لجنة ضبط الصحافة المكتوبة، يبقى الفاعلون في القطاع غير منضمين في تنظيمات أو جمعيات تدافع عن مصالحهم، وتتحاور مع السلطات، وهو ما زاد في إضعاف موقفهم أمام الجهات الوصية.

ويتخوف بعض ناشري الصحف من أن يكون إشهار سلاح الطبع في هذا الظرف الحساس الذي يسبق موعد الانتخابات الرئاسية، حلقة من مسلسل تصفية الحسابات السياسية بين أركان السلطة، على غرار ما تعرفه قطاعات أخرى كالتعليم والصحة، ولم يستبعد هؤلاء أن تكون المناورة من قبيل دفع القطاع إلى فوضى جديدة، لحسابات لا تمت بصلة للفاعلين والمهنيين.

18