دي سان فال.. متمردة على أحزانها بمرح منحوتاتها

الاثنين 2014/01/13
عرائسها ترويض للوحوش الرابضة في أعماقها

ستكهولم- في المعرض الاستعادي الذي يقيمه متحف الفن الحديث في ستكهولم لنيكي دي سان فال تستعيد العاصمة السويدية جزءا من تاريخها الفني من خلال أعمال الفنانة الفرنسية، التي كانت من خلال سلوكها التقني قد مهدت لولادة ما سمي في ما بعد بـ”فن الحدث”.

علاقة دي سان فال بستكهولم التي بدأت عام 1966 لم تنقطع يوما ما. لقد بقي عملها الممتع “الجنة” الذي يراه المرء ما إن يقترب من المتحف الذي يشهد اليوم احتفالا بها، أثرا خالدا يُذكّر بها، فنانة نجحت في أن تمزج بين خفة الفن وتمرّد الفكر، فكانت أعمالها النحتية نموذجا مثاليا تتحقق من خلاله معادلة صعبة، طرفاها تجربة بصرية، قوامها كتل مدهشة في ليونتها، وخبرة فكرية متوحشة، يكمن سحرها في براءتها.

منتصف الستينات حضرت دي سان فال إلى ستكهولم لتشيد بنفسها تمثالا عملاقا لامرأة مستلقية داخل إحدى أكبر صالات المتحف. لقد أطلقت عليه اسم “Hon” وهو ما يعني “هي” باللغة السويدية. كان في إمكان الجمهور أن يتجول داخل جسد تلك المرأة. كان ذلك العمل تجسيدا لفكرة الفنانة المستلهمة من الأساطير الدينية القديمة عن المرأة التي هي مزيج من الكاهنة والآلهة. لقد بنت دي سان فال معبدها على هيأة امرأة، فكان فعلها ذلك سابقا لشغب نسوية الحركات الفكرية التي انطلقت أواخر الستينات لتنادي بحرية المرأة واستقلالها. دي سان فال (1930ــ 2002) وهي التي اشتهرت بمنحوتاتها التي لا تخلو مدينة أوروبية منها كانت قد أحدثت تحولا عظيما في مفهوم الرسم في وقت مبكر من حياتها.

طلقة مبدعة


عام 1960 وقفت دي سان فال لتطلق النار من بندقية صيد على ألواح كانت مغطاة بطبقة من الجص، غير أن تلك الألواح كانت تخفي داخلها أكياسا مُلئت بالأصباغ. فكانت تلك الأكياس تنفجر ما إن تخترق الرصاصة سطح اللوح الخارجي. الفنانة العصامية التي لم تدرس الفن استلهمت نزيف الإنسان لتجعل من رسومها معادلا موضوعيا، لما يجري في واقع يغطي النظام الذكوري مشكلاته بطبقة من الكذب، فلا يتمّ التعرف على تلك المشكلات إلا عن طريق تفجير تلك الطبقة التي لم تكن بالصدفة تحتوي على معدات قمعية، جلها يستعمل في التعذيب والقتل. لقد حظيت تلك التجربة المريرة بتغطية إعلامية قلّ نظيرها في حينها، فصارت الفنانة بسببها واحدة من أهم نجمات المجتمع الثقافي. غير أن من يرى نساء دي سان فال المرحات اللاتي تحمل كل واحدة منهن اسم “نانا” تصعب عليه رؤية ذلك العالم المفترس الذي تنطوي عليها أعمالها الحائطية التي نسميها مجازا بلوحات. ما من شك أن الأصباغ التي كانت تلجأ إليها الفانة لتلوين منحوتاتها قد لعبت دورا عظيما في تكريس جانب البهجة البصرية، وهو جانب يكون المرء ممتنا للفنانة بسببه، غير أن تأمل عالم العرائس التي استعادت دي سان فال من خلاله طفولتها لا بدّ أن يقودنا إلى فهم المعاني الجريحة التي انطوت عليها تجربة الفنانة في عالم، لخصته بعبارة “سوء المعاملة” في ما يتصل بها، لا لشيء إلا لأنها ولدت أنثى؛ وهو ما دفعها إلى اللجوء إلى خيال الأساطير ليعينها على ترويض الوحوش الرابضة في أعماقها.

سوء معاملة


لقد كانت تطلق النار على تلك الوحوش لترى دمها وهو يسيل على سطح اللوحة. حميمية يرتقي بها الشعور بالعجز سلم العدوانية، سيتضح في ما بعد أنها ستكون مصدر جمال استثنائي. لذلك يمكنني القول أن ما من شيء في منحوتات دي سان فال يوحي بالدعة والاسترخاء بقدر ما يمكننا الحديث عن التحليق الملائكي بعيدا عن كل سلطة. وهو ما يشعر به المرء من أول نظرة يلقيها على تلك المنحوتات حين يُخيل إليه أنها مجرّد بالونات قد تنفجر في أية لحظة.

لا تفكر دي سان فال في تسليتنا بقدر ما تسعى إلى تعليمنا وسيلة ناجحة لمقاومة فكرة الهروب. لقد اختارت هذه الفنانة أن تكون تقنيات الفن هي نفسها التقنيات الفكرية التي يمكنها أن تكون حلا لكثير من المشكلات الاجتماعية. وهذا ما فعلته في الكتب الفنية ومشاريع الهندسة المعمارية التي خصصتها لمواجهة السلطة من خلال تغلب المرء على خوفه الداخلي وخروجه إلى المحيط الاجتماعي والثقافي مسلحا بقوة الفن.

16