دي مارجيري رئيس توتال صريعاً في بلاد صديقه العراب بوتين

السبت 2014/10/25
صانع سياسات دول كبرى يقتله سائق مخمور

لم تكن توتال، مجرّد شركة نفطية، وهو شأن الشركات العملاقة في العالم، دون شك، ولكن هذه الشركة الفرنسية التي ارتبط اسمها بانقلابات عسكرية في أفريقيا، وبتأثيرات سياسية وحروب شنّت هنا وهناك، وبنشاط فوق اقتصادي هنا أو هناك على امتداد خارطة العالم.

وقد أعلن قبل أيام عن مصرع كريستوفر دي مارجيري رئيس شركة توتال، في روسيا، بعد تحطّم طائرته، لحظة إقلاعها من مطار فنوكوفو قرب موسكو بعد اجتماع مخصص للاستثمار، وكان يمكن لهذا الخبر أن يدرج في صفحة الوفيات العادية، لولا الثقل الهائل الذي تمثله توتال في العالم، في لحظات من التاريخ، تبدو كمسكر عصا بين مصالح كبرى في العالم. بوتين يريد أن يوسّع النفوذ الروسي، ليشمل ليس روسيا البيضاء والقرم وجمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق فقط، بل أوروبا كلها عبر الغاز، والغاز شأن من شؤون توتال، والأميركيون لا يرغبون في المنافس القوي عملاق توتال الذي يقال إنه يقف خلف الحرب التي شنّها الرئيس ساركوزي على ليبيا ضد القذافي، ولم يكن الدافع نصرة الشعب الليبي وإنقاذه من براثن الديكتاتور.

كشف عن هذا أمام القاضيين الفرنسيين رينو فان رويمبيكي وروجيه لولوار، الوسيط الدولي اللبناني زياد تقي الدين الذي كلفته طرابلس القذافي بالاتفاق مع توتال، حين قال: “قطر حثّت فرنسا على شنّ حرب على ليبيا من أجل الاستيلاء على حقول الغاز وتقاسمها” مما ترتب عليه أن كافأ المجلس الانتقالي الليبي الفرنسيين بعقد نفطي سرّي بعد 15 يوماً فقط على تنفيذ الهجوم العسكري الأول. جاء هذا في معرض التحقيق الذي عرضته قناة “كانال بلوس” الفرنسية، تحت عنوان “الغاز والنفط: الحروب السريّة” أعدّه باتريك شارل ميسانس، ليكشف فيه الأخير عن خفايا النية الفرنسية لتدفئة أوروبا عبر البحر المتوسط مباشرة، والاستغناء عن غاز بوتين، ولتصبح فرنساـ توتال على قمة لائحة المنتجين النفطيين في أوروبا للأعوام الثلاثين القادمة، مقارناً ذلك بتجربة مماثلة في الحرب على العراق العام 2003، وكذلك مع عملية تحضير انقلاب رئاسي في غينيا الأفريقية.

اكشتفت توتال حقل الغاز الطبيعي العملاق في ليبيا (NC7) في حوض غدامس بالقرب من الحدود مع الجزائر وتونس، قبل سنوات قليلة، فاشترت توتال من المجموعة الوطنية الليبية حقوقها في حقل الغاز بقيمة 140 مليون يورو، ووقع بروتوكول الاتفاق في أغسطس من العام 2009 رئيس توتال كريستوف دو مارجيري، والرئيس السابق للشركة الوطنية الليبية للنفط شكري غانم، ليتحوّل الاتفاق بعد اندلاع المعارك في العام 2011 إلى عقد سرّيٍ وقّعه المجلس الانتقالي الليبي مع السلطات الفرنسية تُمنح بموجبه 35بالمئة من الإنتاج النفطي الليبي. الأمر الذي يجعل توتال فجأة سيداً على السوق الأوروبية وربما في قطاع كبير من العالم.

من هو دي مارجيري، الذي بات أكثر من علامة فارقة في سوق النفط في العالم، وكان مركزاً من مراكز القوة فيه، أكثر من كونه مجرد مدير لشركة؟

ولد دي مارجيري في أغسطس من العام 1951 في ماري سوري لاي، ودرس إدارة الأعمال في باريس، ودخل القطاع المالي بدءاً من العام 1974، ليعمل في آسيا، والشرق الأوسط في التسعينيات ثم في أفريقيا وأميركا الشمالية، وتولى منصب رئيس مجلس إدارة توتال في العام 2010 بعدما قضى حياته المهنية بكاملها في المجموعة النفطية، وفي ظل رئاسته سرعت توتال في السنوات الأخيرة من استثماراتها في عمليات الاستكشاف سعيا لتحقيق أهدافها الطموحة على صعيد تنمية إنتاجها النفطي، بموازاة بيع بعض أنشطتها.

قال دي مارجيري في ذروة الأزمة الاقتصادية العالمية في العام 2009 إن «الإنتاج النفطي في العالم لا يجب أن يتجاوز 89 مليون برميل يومياً، لأن الجيولوجيا المالية والسياسية في العالم لا تسمح بذلك»


رجل الأماكن الساحنة


ارتبطت حياة دي مارجيري بالنقاط الملتهبة من العالم، فتوتال قادرة بفضل رئيسها على اختراق كل ما يصعب على الآخرين، ووسط الموقف الدولي الصارم في فرض عقوبات اقتصادية على إيران خلال السنوات الماضية. كان اسم دي مارجيري يلمع كالذهب في فضيحة رشوة تحدثت عن استثمارات في الغاز الطبيعي الإيراني في العام 2007، حين تمت إدانة توتال في الولايات المتحدة الأميركية بتهمة تقديم رشىً إلى مسؤولين إيرانيين خلال الفترة 1995-2004 تجاوزت الـ60 مليون دولار مقابل منحها حق امتياز تطوير عددٍ من الحقول النفطية الإيرانية، وحكم عليها بدفع 398 مليون دولار للخزانة الأميركية قبلت بها على الفور. وقد وجّهت إليها اتهامات مباشرة في هذا الشأن، ليليها اتهامها في العام 2013 بتجاوز برنامج النفط مقابل الغذاء الذي فرض على العراق، بعد سنوات طويلة من التحقيق.

كان دي مارجيري يتدخل في كل شيء، في أنحاء العالم، ويناقش في شؤون التعليم والصحة والثقافة والسكان، في المؤتمرات والمحافل الدولية، وكانت آراؤه مثار جدل كبير، كل مرة، حين قال في ذروة الأزمة الاقتصادية العالمية في العام 2009 إن “الإنتاج النفطي في العالم لا يجب أن يتجاوز 89 مليون برميل يومياً، لأن الجيولوجيا المالية والسياسية في العالم لا تسمح بذلك”، أو حين شارك في نقاشات مفتوحة في مراكش في العام 2010 في فندق المامونية، في الدورة الثالثة لمؤتمر السياسة العالمية، في حديثه عن الفقراء والمستضعفين في العالم ومشكلات جنوب الكرة الأرضية وقضية الشرق الأوسط والمخاوف من التمدّد الصيني في أوروبا وأميركا وضرورة إصلاح الأمم المتحدة على المناقشات، وبعد مصرعه أعلن رئيس الوزراء مانويل فالس أن فرنسا فقدت “رئيس شركة خارجا عن المألوف” و“قائد صناعة كبيرا ورجلا وطنيا”.


توتال دائماً وأبداً


تأسست توتال في العام 1924 وهي ممتدة عبر العالم، ومرتبطة ببورصة نيويورك وبورصة يورونيكست كواحدة من أكبر الشركات الأوروبية، ويقدّر عدد موظفيها بقرابة السبعين ألف موظف، أما عائداتها فقد قدرت حتى أواخر العام 2007 بأكثر من مئة وثلاثين مليار دولار سنويا، وقد دخلت توتال بورصة باريس بدءاً من العام 1929، ولكنها لم تكن تحمل هذا الاسم فقد أعلنت عنه في العام 1985، بعد استحواذها على شركة بتروفينا ليصبح اسمها “توتال فينا” ليتحوّل إلى توتال في العام 2003، ولتصبح من أكبر المنافسين عالمياً، ضد أرامكو السعودية وشيفرون وشركات أخرى عملاقة.

وقد أثارت توتال إشكالات كثيرة في العالم في رحلتها، لم يكن آخرها مشكلة توتال في اليمن، حول منشأة بلحاف لتسييل الغاز وتصديره التي ظفرت هي ومجموعة شركات أميركية وكورية مساهمة بصفقة خرافية فيها، تمثلت في احتكار تسويق وبيع الغاز اليمني لمدة 20 عاماً قادمة، واحتساب سعر ثابت خلال الخمس السنوات الأولى مقداره 3،2 دولار للمليون وحدة حرارية مقابل متوسط سعرٍ عالمي بلغ حينها 13 دولارا للمليون وحدة حرارية.

ذلك الملف الذي تسبب في إثارة هلع كثيرين يخشون من فتح ملف الشركة المحلي في اليمن، مما قد يتسبب في انعكاسات على دول الشرق الأوسط والدول العربية والأفريقية والآسيوية ودول أميركا اللاتينية، بسبب طبيعة عمل توتال التي تمزج بين السياسي والاقتصادي، وكان ملف توتال اليمن الذي قيل وقتها إنه سيجبر القضاء الفرنسي والجهات الرقابية على مراجعة عقودها في كل دول العالم، قد تمت محاصرته بكل قوة من قبل أصحاب النفوذ في فرنسا واليمن والمنطقة.

أثارت توتال إشكالات كثيرة في العالم في رحلتها، لم تكن آخرها مشكلة توتال في اليمن، حول منشأة بلحاف لتسييل الغاز وتصديره التي ظفرت شركة توتال ومجموعة شركات أميركية وكورية بصفقة خرافية فيها، تمثلت في احتكار تسويق وبيع الغاز اليمني لمدة 20 عاماً قادمة


توتال والصراعات


يقال إن توتال تمتلك سجلاً سيئاً في استثمار الصراعات المستمرة في العالم، حيث يوجد النفط، بحيث تكون إدارة الصراع جزءاً من إدارة اللعبة الاقتصادية، سيما في شمال أفريقيا والشرق الأوسط، وكثيراً ما يطلق عليها اسم إمبراطورية الفساد والماس والذهب الأسود تضم جيشاً من العملاء والجواسيس وفرق الكوماندوز، وكان لها شركاؤها في العالم، فشكلت ثلاثياً يطلق عليه نقاده اسم ثلاثي القوة والنفوذ (بي بي ـ توتال ـ ستيت أويل)، الذي نشط في إشعال الحروب الطائفية والعرقية في القارة السوداء، في نيجيريا وسيراليون وأنغولا وموزمبيق والسودان والكونغو وغيرها، بهدف السيطرة على موارد أفريقيا من ذهب وماس وأعشاب ونفط وغاز ومعادن.

يقول بول كوللير في الفورين بوليسي في مقاله المعنون بـ“سوق الحرب الأهلية”: “إن عدة باحثين قاموا بإجراء تحليل شامل لنحو 54 حرباً مدنية كبيرة في العقود الأربعة الأخيرة في العالم ومنها أفريقيا، حيث وجدوا أنه كلما زادت نسبة الصادرات من المواد الأولية بالنسبة للناتج المحلى الإجمالي، فإن ذلك يزيد من مخاطر حدوث صراع وتلك العلاقة شهدتها القارة الأفريقية بدرجات متفاوتة، فعلى سبيل المثال، في منتصف عقد التسعينيات من القرن العشرين، أصيبت القارة بنحو 16 صراعاً من جملة 35 على مستوى العالم، ومثلت الموارد الأولية ـالنفط والنحاس والماس والمواردـ المغذيات الرئيسية لهذه الصراعات.

ففي الكونغو، التي تعتبر من أغنى دول العالم من ناحية الموارد، شهدت حرباً كبرى منذ عام 1993 ولمدة خمس سنوات، تسابقت حركات التمرد فيها ودول الجوار التي تدخلت بقواتها للسيطرة على المناطق الغنية بالذهب والماس والخشب والنحاس والكوبالت.

وتشير منظمة الشاهد الدولي وهي مختصة في العلاقة بين الصراعات والموارد، إلى أن الكونغو على الرغم من أنها تعتبر رابع أكبر منتج للنفط في أفريقيا، فإنها تعاني من ديون خارجية تقدر بـ64 مليار دولار بسبب الشركة الفرنسية إلف أكويتان التي سعت لنشر الفساد والرشوة”.

أما في أنغولا، فإن المتمرد جوزيف سافيمبي تمكن “بمساعدة شركات عالمية وقوى غربية في فترة الحرب الباردة من جمع أربعة مليارات دولار من الماس خلال فترة حكمه وتمرده قبل أن يتم قتله، ودخول البلاد بعده في عملية سلام. أما الرئيس الليبيري السابق تشارلز تايلور، فخصخص موارد البلاد عن طريق بيعها للشركات الأجنبية ووضع دخلها في حساباته الشخصية، كما مارس تجارة الماس بالتعاون مع الشركات العالمية، واعترف بأنه موّل من خلالها مشتريات السلاح والحرب الأهلية، وتكرر ذلك في سيراليون، حيث التجارة غير المشروعة للماس، الذي تقاتلت من أجله الحركات المسلحة”.

ويضيف كوللير: “توتال وحدها اتجهت إلى عقد العديد من الصفقات الغامضة مع كثيرٍ من الزعماء الأفارقة تتكفل فيها بحمايتهم وأنظمتهم مقابل إطلاق يدها في ثروات ومقدرات شعوبهم، وسيناريو نقل السلطة في الغابون، وقليلاً في سوريا، من الأب إلى الابن، ومحاولة تعميم التجربة على دولٍ أخرى لكنها أخفقت فيها، وليبيا ومصر واليمن خير شاهد على ذلك”.

تمكن دي مارجيري خلال عمله الطويل في عالم النفط، من بناء شبكة علاقات عامة خطرة للغاية، مع السياسيين وكبار المسؤولين حيثما وجد النفط في العالم


دي مارجيري والعشاء الأخير


تمكن دي مارجيري خلال عمله الطويل في عالم النفط، من بناء شبكة علاقات عامة خطرة للغاية، مع السياسيين وكبار المسؤولين حيثما وجد النفط في العالم، وكان من أكثر المنتقدين لسياسة العقوبات الأوروبية الأميركية ضد روسيا، بسبب صداقته الشخصية مع الرئيس بوتين، بعد أن حصلت توتال على عقود ضخمة للاستثمار في روسيا الواسعة، وكان دي مارجيري يعتبر رجل روسيا في الغرب، بحكم دفاعه المستمر عن ضرورة توطيد العلاقات مع روسيا، الأمر الذي أغضب منه الحكومات الفرنسية والأوروبية وبالطبع الإدارة الأميركية، سيما في الأشهر الأخيرة من حياته.

وقال بوتين بألم بعد تلقيه نبأ مصرع دي مارجيري في ضباب روسيا بواسطة جرافة ثلج يقودها سائق مخمور، إن روسيا “فقدت صديقا حقيقيا” مضيفا أن “رجل الأعمال الفرنسي اللامع هذا يقف وراء مشاريع مشتركة كبرى أرست أسس تعاون مثمر بين روسيا وفرنسا في مجال الطاقة لسنوات”، معبرا عن “تعازيه الصادقة” لأقربائه. وكان دي مارجيري من المدافعين عن الاستثمار الأجنبي في روسيا، على الرغم من العقوبات الغربية ضد موسكو بسبب أزمة أوكرانيا.

عاد دي مارجيري حسبما أوردت صحيفة فيدوموستي الروسية من اجتماع مع رئيس الوزراء الروسي ديمتري مدفيديف في منزله الريفي قرب موسكو، بحثا خلاله الاستثمارات الأجنبية في روسيا التي تخضع لعقوبات غربية على خلفية الأزمة الأوكرانية، غير أن توتال لم تقطع تعاملها معها، ولا أحد يعرف ما الذي دار في ذلك الاجتماع.

12