دي مستورا اﻟﻮﺳﻴﻂ اﻟﺪوﻟﻲ اﻟﺬي ﺑﻜﻰ ﻋﻠﻰ ﺿﺮﻳﺢ ﻋﻠﻲ

الأحد 2014/07/13
تحديات كبيرة تواجه دي مستورا في سوريا

في البحث عن المبعوث الأممي في سوريا بين ملفات أرشيف وكالات الأنباء، سيعثر المرء على صورتين له، وهو يودّع ضريح علي بن أبي طالب في النجف بعد انتهاء مهمته، ويظهر خاشعاً متأملاً مغمض العينين، بعد أن زار السيستاني والضريح المقدّس عند الشيعة.

ومن يرصد حركة ستيفان دي مستورا، من خلال المهام التي كلّفت بها دولياً، لحل النزاعات على امتداد الخارطة، ومن ثم تكليفه بخلافة الأخضر الإبراهيمي المبعوث الدول والعربي للملف السوري، عليه أن يبدأ من الأسباب التي دفعت آخرين إلى رفض تولي هذه المهمة المعقدة، والتي تتضمن هدفاً واحداً لا ثاني له، يتمثل في تحقيق الانتقال السلمي للسلطة وفق بيان جنيف 1، عبر حل سياسي وليس غير الحل السياسي، بينما يتواصل الحل العسكري على يد طرف رئيسي في النزاع وهو نظام بشار الأسد، مدعوماً من رعاة الحل السياسي الكبار أنفسهم، روسيا وإلى جانبها إيران، دعماً عسكرياً واقتصادياً كبيراً بلا حدود.

لماذا استقال عنان والإبراهيمي

كان على الشعب السوري المستهدف بالقصف والبراميل والدبابات والكيميائي والتجويع والحصار، أن يتحمّل مساراً سياسياً خاض غماره كبار مخضرمي التفاوض والحلول السياسية، بدءاً من الأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي عنان، ثم الأخضر الإبراهيمي الذي استقال هو الآخر بعد أن أعلن صراحة عن عدم جدية المجتمع الدولي في حل النزاع في سوريا.

ويمكن للعارفين بخفايا الأمور تقدير الصبر الطويل الذي مارسه كلٌ من كوفي عنان ثم الإبراهيمي على مماطلة نظام الأسد وروسيا وإيران، من جهة تطبيق أي اتفاق يتم التوصل إليه، مهما كان تفصيلياً، أو مهما صغر حجمه في الطريق إلى الحل الشامل، فلم يكن ممكناً لوسيط دولي أن يجبر من قاموا باختياره على تنفيذ مسرحية مرسومة، تمنح المزيد من الوقت لنظام الأسد كي يقاوم السقوط ويتابع تدمير سوريا البلد والمجتمع، وكذلك ليتاح الوقت أمام إشكالات الأوضاع السورية في ضفة المعارضة كي تتفاقم وتتقعد، في ظل غياب الحماية من القصف الجوي، وبالتالي انعدام فرصة إدارة الأماكن المحررة، وإتاحة الفرصة للجهاديين ليحلوا محل مؤسسات المعارضة العسكرية والمدنية، لا سيما وأن بشار الأسد يمتنع عن قصف تنظيم داعش في مناطق تواجده، فيما لم تسجّل لداعش أي هجمات ضد قوات الأسد.


مفرقان أساسيان


النقطة الفارقة الأولى التي انعرجت فيها الأحداث السورية الدامية، كانت استخدام الأسد للسلاح الكيميائي وما نجم عنه من تهديد أميركي بتوجيه ضربات عسكرية ضد دمشق، ثم التوصّل إلى اتفاق يكتفي بنزع الترسانة الكيميائية من الأسد، مما أجّل جميع الحلول إلى ما بعد الانتهاء من المهمة التي كلفت بها سيغريد كاغ على رأس فريق أممي من أكثر من مئة وعشرين خبيراً دولياً لم ينهوا أعمالهم بعد.

المفرق الثاني كان عقد مؤتمر جنيف2 بأي وسيلة، والفشل الذريع الذي منيت به المباحثات، في ربيع العام 2014، مما أدى إلى التوصل إلى نتيجة دولية مفادها، أن الحل بالتفاوض غير ممكن، والحل العسكري مستحيل، وبدأت تخرج تسريبات أميركية هنا وهناك تتحدث عن تقديرات إدارة أوباما لعمر الأزمة السورية بحدود عشرة أعوام مرّ منها ما يقرب من الأربعة حتى الآن.

من يرصد حركة ستيفان دي مستورا، من خلال المهام التي كلّف بها دوليا، لحل النزاعات على امتداد الخارطة، ومن ثم تكليفه بخلافة الأخضر الإبراهيمي المبعوث الدولي والعربي للملف السوري، عليه أن يبدأ من الأسباب التي دفعت آخرين إلى رفض تولي هذه المهمة الأخيرة المعقدة


ظهور دولة داعش والخليفة


تصاعدت الأحداث بتطوّر قوات داعش وتزايدها، المدعومة من إيران والمالكي والأسد، وفتح الحدود العراقية السورية أمام قوات البغدادي القادم من سجن البوكا الأميركي، ليحتل الموصل ويخلخل الأوضاع في المحافظات العربية السنية في العراق، حيث كان يعمل دي مستورا قبل سنوات قليلة، ليصبح تنظيم داعش والخليفة البغدادي على رأس اهتمامات المجتمع الدولي سابقاً الملف السوري والأوضاع الإنسانية المتدهورة لملايين النازحين والمهجرين السوريين في بلدان الجوار والعالم.


تكسير حدود الصراع ـ المهمة


وبتحطيم حدود سايكس بيكو على يد داعش، بعد تحطيمها على يد الميليشيات الطائفية العراقية واللبنانية والإيرانية في سوريا خلال الأعوام الماضية، تكسّرت حدود مهمة الوسيط الدولي في سوريا، وأصبح من الصعب الفصل بين مهمة دي مستورا السابقة في تصليح وتزويق العملية السياسية في العراق، ومهمته الحالية في سوريا.

أربعة أعوام قضاها دي مستورا في العراق، أصرّ على إعلان انتهائها في مؤتمر صحفي في النجف، بعد لقائه مع علي السيستاني، وقال دي مستورا حينها: “جئت اليوم لزيارة سماحة السيد السيستاني لأودعه بعد انتهاء مهامي في العراق بعد عامين من العمل وهذه اللحظة حزينة بالنسبة إليّ ولكن هذا ما يحدث عندما تكون دبلوماسيا”.


نجاح دي مستورا الفائق في العراق


قال دي مستورا: “أنا فخور بالمشاركة في هذه المرحلة الحساسة من تاريخ العراق وقد رأينا الكثير من التقدم في العراق خلال السنتين الماضيتين (الحديث في العام 2009) وأنا أغادر العراق وأنا متفائل بمستقبله”.

وكان الدبلوماسي الإيطالي المولود في ستوكهولم لأم سويدية ليحمل الجنسيتين الإيطالية والسويدية، قد عُيّن في بغداد في 11 أيلول من العام 2007، لمتابعة عمل الأمم المتحدة حول “المناطق المتنازع عليها” في العراق وبينها كركوك تفادياً لوقوع حرب أهلية بين المكونات العراقية.

وقد ضم تقرير دي مستورا الأممي الذي تم تسليم نسخ منه للحكومة العراقية وحكومة إقليم كردستان، خمسة عشر منطقة متنازع عليها، سبع مناطق منها في منطقة نينوى وثلاث في كركوك وثلاث في محافظة ديالى وواحدة في محافظة صلاح الدين وأخرى في محافظة السليمانية.

وكان دي مستورا مسؤولاً عن معالجة آثار وبقايا النزاع العراقي مع الكويت حول المناطق الحدودية، بهدف رفع العراق عن الفصل السابع، كما تقدّم دي مستورا بمقترح بقانون عن تمثيل الأقليات في العراق في البرلمان والكتل السياسية في العام 2008، وقد رحّبت الأطراف السياسية الرئيسية بالتقرير، وقد تضمن التقرير توصية مهمة جداً وهي الحفاظ على وحدة المحافظات والمناطق المتنازع عليها والتعامل معها ككيان واحد.

تمت إتاحة الزمن اللازم أمام إشكالات الأوضاع السورية في ضفة المعارضة كي تتفاقم وتتعقد، في ظل غياب الحماية من القصف الجوي، وبالتالي انعدام فرصة إدارة الأماكن المحررة، وإتاحة الفرصة للجهاديين ليحلوا محل مؤسسات المعارضة العسكرية والمدنية


الملف السوري بعد العراق


وقد أعلن بان كي مون الأمين العام للأمم المتحدة، اختياره (والأرجح والأكيد أنه ليس اختياره هو) لستيفان دي مستورا، ليحل محل الأخضر الإبراهيمي كمبعوث دولي للسلام في سوريا، ليكون دي مستورا مبعوثاً للأمم المتحدة فقط وليس مبعوثاً أممياً عربياً مشتركاً وسيكون له نائب عربي.

وكان دي مستورا قد ترأس بعثة الأمم المتحدة إلى أفغانستان بين عامي 2010 و2011، وفي العراق بين عامي 2007 و2009، و شغل منصب الممثل الشخصي للأمين العام في جنوب لبنان بين عامي 2001 و2004.

وتم اختيار المبعوث الجديد من بين أسماء عدة كانت مطروحة لخلافة الإبراهيمي، منها منسّقة البعثة المشتركة لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية والأمم المتحدة الخاصة في سورية، سيغريد كاغ، والأمين العام السابق للجامعة العربية، عمرو موسى، ووزير الخارجية التونسي الأسبق، كمال مرجان، ومسؤول العلاقات الخارجية السابق في الاتحاد الأوروبي، خافيير سولانا.


الهدف من المهمة


يعدّ اختيار دي مستورا أبلغ رسالة من المجتمع الدولي، للتعبير عن كيفية المسار المرسوم في ذهن القوى الدولية التي تتحكم بالمشهد في الشرق الأوسط، فالنجاحات التي حققها دي مستورا في العراق، نلمس آثارها اليوم في انهيار العملية السياسية تماماً ووصولها إلى طريق مسدود، والأسلوب الذي تمّ به معالجة المناطق المتنازع عليها، بضمّها بحكم الأمر الواقع خشية وقوعها في يد التنظيم الإرهابي الذي انسحب جيش المالكي أمامه، كما صوّر الإعلام الرسمي العراقي.

إضافة إلى جنوب لبنان الذي سيطر عليه حزب الله الميليشيا المسلحة الشيعية الإيرانية التي تتحكم بالدولة اللبنانية، وأفغانستان التي ما تزال عرضة للسقوط في يد طالبان في أية لحظة، سيما بعد تلكؤ العملية السياسية فيها، وانهيار المجتمع.


هل ستكون سوريا وحدها


سرعان ما سيكتشف دي مستورا أن مهمته الحقيقية ليس التوصل إلى حلول سياسية، بل مواصلة تجميد أي حراك يهدف إلى الحل، مما سيزيد الأمور انهياراً وتفاقماً، وفي الوقت الذي رتّب الأسد أوضاعه في المناطق التي يسيطر عليها، بانتخابات شكلية مزيفة، وصفها الأخضر الإبراهيمي بأنها رصاصة الرحمة على أي حل سياسي للقضية السورية، فإن الائتلاف السوري يرتب أوراقه بانتخاب رئيس جديد هو المهندس هادي البحرة خلفاً لأحمد الجربا الذي لا ينوي الانسحاب من القيادة بمجرد انتهاء مدته وقد ينتقل إلى العمل في حكومة ثورية معارضة تهدف إلى قلب الأوضاع لصالح المعارضة عسكرياً بدءاً من حلب التي طوّقتها قوات الأسد مؤخراً، وسيكون على دي مستورا العمل بنفس طويل حتى يتمكن أطراف النزاع من تحطيم بعضهم البعض تماماً ولكن ليس دون تحطيم دول الجوار في بقية أرجاء الشرق الأوسط.

7