د. يحيى الرخاوي: الحالة النفسية الإيجابية حائط الصد الأول لمواجهة المرض

الطبيب النفسي المصري يتوقع زيادة حالات الرهاب بعد انزواء كورونا، ويرى أن كورونا فرصة للشباب لاختبار حياة جديدة في التعلم والمعرفة المنزلية وتعميق الوعي لدى كبار السن.
السبت 2020/04/25
المناعة النفسية لا تعني عدم الخوف

يتوقع الطبيب النفسي المصري يحيى الرخاوي زيادة حالة الرُهاب من المرض والموت في مرحلة ما بعد زوال أزمة كورونا. ويلفت الرخاوي في حواره مع “العرب” إلى أن الحالة المزاجية يتعدى دورها زيادة مناعة الجسم ومكافحة الوباء ذاتيا إلى منع الوصول لدهاليز الاعتلال المعنوي الذي يعتبر أصعب كثيرا من الأمراض العضوية مهما كانت خطورتها.

وأوضح أن تركيبة الإنسان النفسية تتخذ وضعية شبيهة بالحرباء في مقاومة المخاوف، فتحاول بكل الوسائل تغيير جلدها باستمرار للتأقلم مع الواقع غير المناسب، وعندما تعجز تبدأ بالصعود نحو سلم طويل من المشكلات، أول درجاتها القلق المزمن، مرورا بالاكتئاب والاضطرابات الوجدانية، ونهاية بالهذيان.

ورأى الرئيس الشرفي للجمعية المصرية للعلوم النفسية أن المناعة النفسية لا تعني عدم الخوف، فالأخير من سمات الطبيعة البشرية، وهو أوّل الطريق نحو التوازن الداخلي لكن شريطة البقاء عند حدود معينة دون مبالغة تتجاوز ما يحتاجه الموقف المثير المُخيف ما يزيد من حالة الحزن والدخول إلى مراحل مرضية.

وتتوقف العلاقة بين الخوف وكورونا على درجته، فإذا ظلّ في الحدود الطبيعية يمثّل مركب نجاة لصاحبه بأخذ الاحتياطات اللازمة مثل الابتعاد الاجتماعي والعزل وتنفيذ توصيات منع الانتشار، لكن التحول إلى الحرص الشديد قد يتحول إلى حالة مرضية حيث يفرز الجسد كميات كبيرة من الكورتيزون ما يتسبب في ضعف الجهاز المناعي.

وأضاف أن البشر يلجأون حاليًا إلى سلسلة من المهارب الطبيعية مع زيادة الخوف، وأكثرها شيوعًا تناول الغذاء والنوم، فيلجأ الكثير منهم إلى التهام الطعام ليس بسبب الجوع، لكن ترجمة لقرار الرغبة في الحفاظ على الطاقة اللازمة للحياة، والنوم الذي يعتبر وسيلة هروب طبيعية من الانفعالات التي لا نحتملها ونحن في حالة اليقظة.

رسائل الرعب

لا يؤمن الطبيب الذي يكمل عامه الـ87 في نوفمبر المقبل، بتوجيه نصائح مباشرة لتحسين النفسية لمواجهة الوباء، ويستبدلها بتوصيات أعمق وأكفأ في تعديل الموقف العام من فكرة الخطر وطبيعة علاقة الإنسان بالآخرين، فيطالب في المقام الأول بمحاولة الابتعاد عن الأخبار التي تُصيب بالهلع والخوف، والشائعات التي تتضمن تأثيرًا سلبيًا.

يعتقد أن أصحاب الثقافة الضعيفة لا يلتقطون مما يصلهم من رسائل إلا الرعب من الموت دون معاني المقاومة والأمل، فالمريض الذي يفرط في سماع الأخبار عن الفايروس وتطورات انتشاره، مُعرض أكثر للإصابة بالقلق والتوتر، ما يؤدى بطبيعة الحال إلى حدوث وساوس وضعف في جهازه المناعي.

تركيبة الإنسان النفسية تتخذ وضعية شبيهة بالحرباء في مقاومة المخاوف، فتحاول بكل الوسائل تغيير جلدها

وكشف أن المصريين يتوجهون للطبيب النفسي أكثر مما ينبغي، حتى وصل الأمر إلى “نفسنة المجتمع” ويقدر البعض عدد المرضى المترددين لتلقي استشارات بقرابة 15 مليونًا، فالسلبيات يتم إقرانها دائما بالعقد بدلًا من مواجهتها على أنها مشكلة ثقافية أو فردية تحتاج لتقويم مجتمعي وأخلاقي وديني حتى الطالب الراسب يقدم تبريرات له تربطه بإصابته بعقدة نفسية من المدرس أو المدرسة.

ورفض في حواره مع “العرب”، ترديد البعض أن فايروس كورونا جاء ليخلص العالم من البشر لأنهم أصبحوا عبئًا على الكون، واعتبره فرصة لتعميق الوعي بالنسبة لكبار السن والاستعداد للحياة الأخرى، وفرصة للشباب لاختبار حياة جديدة بالنسبة إليهم للتعلم والمعرفة المنزلية، فالحياة قصيرة والمعرفة ممتدة، والفرصة قد لا تتكرر، والتجربة تحتمل الصواب والخطأ، والحكم على الأمور من أًصعب الأشياء.

يتوجه الرخاوي إلى المصحة النفسية التي يشرف عليها في منطقة المقطم بالقاهرة مرتين أسبوعيًا دون قلق من الإصابة بالمرض، ففي رأيه أن كبار السن الذين ينتمي إلى فئتهم العمرية ليسوا الأكثر إمكانية للإصابة، لكنهم أكثر عرضة للمضاعفات، لتراجع المقاومة الطبيعية في السن المتأخرة التي قد تصل بهم لمفارقة الحياة.

يتضمن باطن النفس البشرية مكانًا خاصًا لقضية الموت التي تؤثر على الحالة الوجدانية، فالخوف من النهاية أو فقدان أحد الأشخاص القريبين يقف وراء أغلب الاضطرابات النفسية، التي تتنامى في أوقات الأوبئة ويزيد معها عدد المصابين بالوسواس القهري والاكتئاب وأمراض عضوية أخرى أكثرها شيوعًا مثل “القولون العصبي”.

لم يبد الرجل أهمية كبيرة لإشكالية نهاية العمر حتى في تعامله مع مرضى “رُهاب الموت” ويطالبهم بألا يقاوموا الفكرة، بل يستدعوها لتغيير حالهم نحو سلوك أفضل، طالما أن المسألة متعلقة بفكرة الموت وليست الموت نفسه، عكس اتجاه آخر يطالب بالاستعاضة عن هذه الأفكار وطردها، واستبدالها بأخرى مبهجة أو أن يشغلوا أنفسهم بما هو أكثر واقعية.

تنبع أفكاره حول تلك القضية من تأثره بصديق عمره الأديب الراحل نجيب محفوظ الذي قال إن الحياة حركة‏ ‏دائرية ‏لا‏ ‏تبدأ‏ ‏بالولادة بقدر‏ ‏ما‏ ‏تتخلق‏ ‏بيقين‏ ‏الموت‏ الذي يمثل ‏الحقيقة‏ ‏الموضوعية‏ ‏الأساسية‏ ‏في الوجود‏ ‏البشرى،‏ وبين‏ ‏طرفي الموت‏ أو ‏المصير، ‏و‏عبر التخلق‏ أو ‏إعادة‏ ‏الولادة‏، ‏تتجدد‏ ‏الحركة‏، ‏وتبعث‏ ‏الحياة طولاً وعرضًا‏، ‏جدلاً‏ًً ‏وتوليفًا،‏ ‏دون‏ ‏انقطاع.

الحياة حركة‏ ‏دائرية ‏لا‏ ‏تبدأ‏ ‏بالولادة بقدر‏ ‏ما‏ ‏تتخلق‏ ‏بيقين‏ ‏الموت
الحياة حركة‏ ‏دائرية ‏لا‏ ‏تبدأ‏ ‏بالولادة بقدر‏ ‏ما‏ ‏تتخلق‏ ‏بيقين‏ ‏الموت

قال الطبيب وعالم النفس المصري الذي يضحك باستمرار وينتهز أي فرصة للتندر والتنكيت حتى على الوباء ذاته، إن كارثة الكوليرا التي عاش فترتها شخصيًا في الأربعينات من القرن الماضي أخف كثيرا مما نواجهه الآن مع كورونا، سواء في طريقة نقل العدوى أو في وسائل المقاومة أو في العلاقة بين الناس ومخاوفهم من بعضهم البعض.

ظل الرخاوي لا يفضّل التواصل عبر وسائل التكنولوجيا، فهي تخلق رابطة بين العقول ولا توفر حميمية اللقاء المباشر بين جسدين، ولا يمكنها توفير معاني النظرة المتبادلة وتغيرات الجسد من الحرارة ونبضات القلب، لكن فايروس كورونا غير قناعاته كثيرًا.

وأشار إلى أن التواصل الاجتماعي مفيد دائما لأنه يُشعر الفرد بالراحة النفسية والسعادة، وطالما أن الزيارات الحالية غير مستحبة في خضم الجائحة فلا بديل عن التواصل عبر وسائل التكنولوجيا الحديثة، إضافة إلى ممارسة الرياضة والألعاب التي تعطى نوعًا من السعادة والتكيف مع الطبيعة التي يعتبرها ذات أهمية كبيرة تتماشى مع إنسان ارتبطت طفولته بتوقيت طلوع الشمس وغروبها وعباداته برؤية مباشرة لحركتها.

يقسم المتعاطين مع كورونا إلى فريقين، أحدهما يعاني “فوبيا” وصلت إلى الاستحمام بالمطهرات، والآخر لا يبالي ولا يهتم بفكرة الاختلافات الفردية والفئوية الواردة في كل الأحوال، وتظهر أكثر عند الجماعات وليس فقط عند الأفراد، في مواجهة الأزمات العامة والكوارث الشاملة.

يتوقف تفسير الخوف الشديد، من وجهة نظر الرخاوي، على نوع الشخصية قبل الكارثة وعلاقتها بالحياة والناس والخالق، فإما أن يكون عدم اهتمام البعض نوعا من الاطمئنان إلى علاقة الفرد بربه وأنه لا رادّ لقضائه، أو أن يكون نوعا من التبلد ليس فقط بالنسبة للضرر الذى يصيبه، لكن أيضا لما قد يترتب على اللامبالاة من أضرار على الغير، فرادى وجماعات.

أفكار مغايرة

"فوبيا" وصلت إلى الاستحمام بالمطهرات
"فوبيا" وصلت إلى الاستحمام بالمطهرات

وشدد الرخاوي في حواره، على أن الطب النفسي صنعة أو حرفة، ويفضل أن يُقال عليه “صنايعي” وليس طبيبًا، فمهمته تتركز على النزول بوعيه إلى مستوى المريض، ومشاركته في الغناء والتريض وحتى ترديد الأناشيد الدينية وتبادل النكات، ثم العودة إلى وضعه الطبيعي مرة أخرى بعد انتهاء
مهمته.

يتعامل  مع النفس البشرية بنوع من ثقافته الريفية، بحكم ولادته في محافظة الدقهلية في شمال القاهرة، وامتزاجه بتراث وعادات لا تزال محفورة في ذاكرته إلى درجة التفرغ لتتبع أصل أهازيج الريف وأمثاله الشعبية التي وصل منها لقناعة بأن كلمة “حكيم” أفضل من طبيب، باعتبارها تربط المهنة بالحكمة، وهي معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم، فطب الشيء يعني أصلحه وأحكمه.

يفضل التريث في التعامل مع المرضى، ويرفض الهجوم على الذين يركنون إلى السحر والشعوذة، حيث يعتقد في “تعدد الذوات” داخل الكيان البشري الواحد، فكل منا فيه جانب من الجنس الآخر ونواحٍ طفولية وشابة مهما بلغ من العمر، ويبدي اقتناعه المبدئي بأن المريض مسكون من داخله وليس خارجه، وهي طريقة أثبتت نجاعتها مع غالبيتهم.

الطبيب والناقد

الإفراط في سماع أخبار كورونا يزيد الإصابة بالقلق والتوتر
الإفراط في سماع أخبار كورونا يزيد الإصابة بالقلق والتوتر

تتنازع آراء الرخاوي كثيرًا بين الناقد والطبيب فيصعب الفصل بين آرائه، ففي خضم انتشار المرض ينظر إلى تعاطي الأدب مستقبلاً مع كورونا، ولا يؤمن بسيطرة قصص الوباء على الأدب والفن خلال السنوات القادمة، فرواية مثل “مائة عام من العزلة” لغابرييل غارسيا ماركيز أفضل من “الحب في زمن الكوليرا” المرتبطة بانتشار وباء عام بين الناس.

يتعارك في سيرته الذاتية التخصص مع الهواية، فسبق له الانضمام لعضوية اتحاد الكتاب والأدباء والمجلس الأعلى للثقافة ولجنة الرقابة على المصنفات الفنية والهيئة العامة للكتاب، وفي الوقت ذاته رأس تحرير عدة مجلات متخصصة في الطب النفسي، وشغل عضوية مؤسسات مثل الهيئة العليا للأدوية وهيئات الطب الشرعي بالمحاكم المصرية.

يكاد يكون الرخاوي الوحيد في مجاله الذي يكتب أبحاثه بالعربية ويرفض استبدالها بالإنجليزية لتواكب اشتراطات النشر الدولي، رغم أنه أحد الأعضاء المؤسسين للكلية الملكية للأطباء النفسيين (المنظمة المهنية الرئيسية للأطباء النفسيين في المملكة المتحدة) ويتقن اللغة الفرنسية أيضًا، ربما لتفضيله النقد على الطب أو لارتباطه الشديد بوالده مدرس اللغة العربية.

يرى أن الطبيب ابن بيئته ولغتها، وبأسلوب يتراوح بين الأكاديمية المنضبطة والأدبية البلاغية تناول الكثير من الأمراض النفسية التي تصل لنحو 200 نوع، أشهرها الاكتئاب بأنواعه والقلق والهلع والفصام والشيزوفرينيا والاضطراب الوجداني.

يؤمن الرخاوي بأن الإبداع إحدى الوسائل الأساسية لتحسين الحالة النفسية، باعتباره المتنفس الحقيقي لحركة الذات الداخلية دائمة النبض، ونظرته الخاصة بوجود علاقة بين حركتي الإنسان والكون، والتي إن اختلت إحداهما يحدث اعتلال، ويشجع مرضاه على الكتابة خاصة الشعر كنوع من تفريغ الشحنات النفسية، فالعمل سواء كان ثقافيا أو ماديًا من العلاجات الأساسية لغالبية الأمراض النفسية.

21