ذئاب داعش المنفردة أخفت ذئبا بريطانيا وراءها

الجمعة 2017/06/23

في كل مرة تعرّضت فيها المدن الأوروبية لهجمات إرهابية، وفيما كانت الدول المستهدفة تحصي قتلاها، كانت المؤسسات الرسمية والاجتماعية والأمنية والإعلامية حريصة، رغم استثناءات هامشية، على تأكيد لحمة البلد ووحدة ناسِه، وكانت منابر هذا البلد أو ذاك حريصة على تبرئة المسلمين من إثم تقترفه قلة منهم. لم يكن مرد ذلك هياما بالمسلمين بالضرورة، بل هو تمسك بقيّم تمّ بناؤها يوما بعد آخر على أطلال نازية وفاشية عاثت في أوروبا شعوبا وبلدانا وفكرا وعقيدة في منتصف القرن الماضي.

بمعنى آخر، فإن المجتمعات الغربية ليست متسامحة بالسليقة وليست ناضجة لدواع بيولوجية، بل إنها تخضع لمنظومة قيم سياسية واجتماعية يتم تدريسها داخل المناهج التربوية وتتم مراقبتها ومواكبتها من خلال ترسانة قانونية صلبة. وعليه يصار إلى تربية تلك المجتمعات ليتوافق سلوكها مع معايير حركة هذه الدول، بحيث يتهمّش آليا أي فكر أو سلوك أو أي نزق خارج السياق الفكري العام، ويلفظ خارج أصول العيش المشترك وقواعده.

لم تخرج فرنسا أو بريطانيا أو ألمانيا أو بلجيكا ضد الإسلام والمسلمين عقب الاعتداءات الإرهابية التي طالت عواصمها ومدنا أخرى. سجلت في هذه البلدان تجاوزات فردية طالت مسلمين أو مراكز إسلامية هنا وهناك، لكن ذلك لم يعدو كونه فرديا منعزلا لم يحظ بتغطية أيّ من التشكلات السياسية، بما فيها تلك الشعبوية واليمينية المتطرفة. ومرد ذلك أن أي سلوك من هذا النوع هو خارج الثقافة والتقليد، وأن قواعد الديمقراطية ومنظومة قيم تلك البلدان لا تسمحان بأخطاء ترقى إلى مصاف الخطايا في تاريخ الحضارات الكبرى.

بيد أن أمر هذا السلم الاجتماعي ليس مسلّمة نهائية، وأن تمرين السيطرة على الانفعالات الجماعية ليس مضمونا، وأن حجم الأخطار التي يتعرض لها الفرد قد يولّد استدعاء لأحقاد تطال العلاقة التاريخية بين شرق وغرب، وبين إسلام وغير مسلمين. ولا ريب في أن بلدان العالم العربي تقدم منذ سنوات مثالا صارخا على كيفية خروج العصبيات الحاقدة بين قبائل وعشائر وأديان وطوائف ومذاهب على النحو الذي تشهد عليه فصول الفتن المتفجرة في ليبيا واليمن وسوريا والعراق، والتي تقيم الدليل على أن السلم الذي كانت تعيشه تلك التعدديات في ظل سلطة الأنظمة التي حكمت تلك البلدان منذ الاستقلالات، هو ناتج عن وأد بالقوة لتلك الأحقاد وليس نتاج قضاء على تلك العصبية وإزالة لتلك الأحقاد.

قد لا يمثل الاعتداء الإرهابي الذي تعرض له مصلون مسلمون بالقرب من مسجد فينسبري بارك في لندن إلا حالة منعزلة شاردة عن المزاج البريطاني العام. لكن الأمر يمثل أيضا أول أعراض إمكانية تفكك الإجماع الداخلي وتفلّت ظواهر متمردة على قواميس الليبرالية الغربية وقيمها. وسواء سيقُدٓم الأمر على أن الجاني يمثل حالة شاذة وأنه شخصية تعاني من اضطراب ومن طباع وضيعة، إلا أن تعبيرات ذلك “الاضطراب” ضد المسلمين قد تكون أول سابقة لها داخل مجتمعات الدول الغربية ولها ما يتبعها.

وفي مقارنة بسيطة، فإن كل الذين اقترفوا جرائمهم الأخيرة باسم تنظيم داعش في أوروبا، بمن فيهم أولئك الذين ارتكبوا الاعتداءات الإرهابية الأخيرة في لندن ومانشستر في بريطانيا، يُعتبرون حالات شاذة فاجأت جيرانهم ومعارفهم، ويوصفون بطباع غريبة وبسلوكيات مقلقة. بمعنى آخر، فإن الأورام الخبيثة التي انتفخت داخل البيئات الإسلامية استخدمت في ارتكاب آثامها حاملات بشرية ضعيفة مرتبكة يسهل شحن الكراهية داخلها. وبالتالي فإن جريمة لندن ضد المسلمين لا تعدو كونها إطلاقا لوحش الحقد من عقاله بنفس الأسلوب والأدوات، وخدمة لهدف نهائي يصبو إلى قتل “الآخر” ومسخ الحضارات إلى بنياتها العرقية البدائية، والقضاء على ثقافة التواصل والانفتاح والتفاهم بين الجماعات المتعددة.

في ليلة مأساة ذلك المسجد اللندني خرج ذلك الذئب منفردا يفتش عن طرائده. جاء ذلك الذئب يردُّ على ما قيل إنه “ذئاب منفردة” لبّت نداء قيادات تنظيم أبوبكر البغدادي في ضرب “الكفار” في بلدانهم ومدنهم وأحيائهم. قد تخرج ذئاب داعش المنفردة من بيئات توفّر في ظلاميتها وتخلّف قيمها خلفية أخلاقية تبرر للمجرم جريمته، لكن خروج ذلك الذئب البريطاني وزحفه ليلا من مدينته كارديف إلى العاصمة، يلبيان لا شك نداء غير معلن يبثه كلام لا يخرج إلى العلن، يعبّر عن مقت لتلك المخلوقات الوافدة من بعيد، حاملة إسلامها وعاداتها وثقافاتها وطقوسها لغزو هوية وأسلوب عيش، وباتت تحمل مشروعا حضاريا “آخر” يتفوّق في ديناميته وحيويته على سكينة حضارات تمّ تدجينها بحداثة ما بعد الحرب العالمية الثانية.

التقط إرهابي المسجد في لندن رسائل تنظيم داعش. بدا أن التنظيم الذي ظهر قبل سنوات في الموصل ويتم القضاء عليه في الموصل هذه الأيام، يُخرِّج إرهابيين أيا تكن هوية هؤلاء. فالمطلوب وفق التوحش الداعشي هو إحداث “الفتنة الكبرى” بين “دار الكفر” و“دار الإسلام” على النحو الذي يسمح بعد “الطوفان” بإقامة دولة الإسلام، ولا بأس أن يساهم في ذلك ذئب كافر لعله يكون مثالا يقتدى لذئاب كافرة أخرى تخرج من ظلام المدن.

استخدم ذئب مسجد فينسبري بارك شاحنة وانطلق بها نحو المارة قرب ذلك المسجد، تماما كما فعل إرهابيو داعش في الجادة البحرية لمدينة نيس صيف العام 2016، وفي سوق الميلاد في برلين في ديسمبر من نفس العام أو في جسريْ وينسمنستر ولندن بريدج في لندن مؤخرا. لا تتعلق المسألة ببساطة الأداة وسهولتها فقط، بل بالانضباط داخل مشهدية إرهاب واحدة في مقدماتها ونهاياتها، وبالاقتداء بمدرسة إرهاب واحدة، حتى لو اختلفت هوية طرائدها في الأجل القصير وتقاطعت في خلاصاتها النهائية للوصول إلى الصدام العدمي الأخير.

عمل التطرف على تصريف سواد خطابه داخل منظومات حزبية واستحقاقات انتخابية، لكن انسداد تلك المسالك قد يعيد التطرف إلى حقيقته العنصرية السوداء التي تعمل في الخفاء فتخرج ذئابها في الليل ليضرب الـ(الآخر)، لأنه آخر

لكن جريمة المسجد في لندن تمثل مأزقا بنيويا لتيارات اليمين المتطرف في أوروبا. عملت الشعبوية البريطانية بجدّ ومهارة ونجحت في إقناع البريطانيين بالخروج من الاتحاد الأوروبي تحت شعار “بريطانيا أولا” الذي خيّل لمنظري العولمة أنها أضحت منطقا غابرا متقادما. بدا أن عهود الازدهار عائدة لتيارات اليمين المتطرف منذ أن أضحت شعاراتهم حججا يفوز بها دونالد ترامب برئاسة الولايات المتحدة. خيّل للشعبوية أنها قادمة لحكم كل المنظومة الغربية وأن بضاعتها، التي كان محرّما تداولها في العقود الماضية، بات يجري تعاطيها بمتعة في خطب اليسار قبل اليمين. بيد أن وحشية التاريخ أوقفت هذا المدّ الطموح. قتل ترامب الترامبية نفسها. هزم الهولنديون شعبوييهم. انتخبت فرنسا الماكرونية، كمصل مضاد للترامبية وأخواتها، ثم أعاد البريطانيون تحجيم ورمهم الشعبوي ووجهوا ضربة انتخابية لتيريزا ماي وصقوريتها ضد أوروبا.

فقد الشعبويون أملهم بالحكم من خلال صناديق الاقتراع وبدا أن أوروبا أبعدت الكأس المر لسنوات أخرى. عمل التطرف على تصريف سواد خطابه داخل منظومات حزبية واستحقاقات انتخابية، لكن انسداد تلك المسالك قد يعيد التطرف إلى حقيقته العنصرية السوداء التي لطالما تعمل في الخفاء فتخرج ذئابها في ليل ليضرب الـ“الآخر”، لأنه آخر.

صحافي وكاتب سياسي لبناني

8