ذئب منفرد تطرّف في الولايات المتحدة يرعب مانهاتن ليلة الهالوين

قالت السلطات الأميركية إن مهاجرا أوزبكيا متهما بقتل ثمانية أشخاص في مدينة نيويورك دهسا باقتحام مسار للدراجات بشاحنة مستأجرة الثلاثاء (الأول من نوفمبر 2017) عمل بشكل منفرد في ما يبدو، لكن الهجوم الذي وقع يوم الاحتفال بعيد الهالوين يحمل كل العلامات المميزة لعمل إرهابي. وعدد الضحايا في هذا الهجوم محدود بالمقارنة بهجمات مشابهة وقعت العام الماضي في فرنسا وألمانيا، لكنه يظل الهجوم المنفرد الأكثر دموية في نيويورك منذ الهجوم الذي استخدمت فيه طائرات مخطوفة لتفجير برجي مركز التجارة العالمي في مانهاتن السفلى في 11 سبتمبر 2001، كما يعد الأبرز في ظل حديث التحالف الدولي ضد داعش عن تراجع التنظيم المتشدد في معاقله في سوريا والعراق واقتراب نهايته.
الخميس 2017/11/02
رعب حقيقي

نيويورك – بينما كانت نيويورك تحتفل كباقي المدن الأميركية بعيد الهالوين، ليلة 31 أكتوبر 2017، شهد حي مانهاتن عند الساعة الثالثة عصرا بتوقيتها المحلي (19:00 بتوقيت غرينتش) حادثة دهس أوقعت 8 قتلى و15 جريحا، قالت التحقيقات الأولية إن منفذها ذئب منفرد يتبنى أفكار تنظيم الدولة الإسلامية.

يعد هذا الهجوم هو الأول منذ اعتداءات 11 سبتمبر 2001، ويستمد الهجوم رمزيته من مكان الحادث، حيث وقع تفجير مركزي التجارة العالمي يوم 11 سبتمبر 2001، والذي يطلق عليه الجهاديون اسم “غزوة مانهاتن”. وظلت هذه الأحداث نقطة مرجعية لأنصارهم حتى في ظل التباعد بين تنظيم الدولة الإسلامية وتنظيم القاعدة، المسؤول عن أحداث 11 سبتمبر.

رد على خسارة داعش

لا شكّ في أن الهجوم يأتي كردّ على الهزائم الميدانية التي يتكبّدها تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا والعراق، وتراجع قدرته على استقطاب المزيد من الأنصار والتابعين، وتضييق الخناق على خلاياه والذئاب المنفردة التي تعتنق مذهبه المتطرف. وهنا يربط الخبراء بين حادثة الدهس في منهاتن وبين حادثة طعن ضابطي شرطة بسكين قرب مبنى البرلمان في تونس في هجوم نادر منذ تحسن الوضع الأمني في البلاد عقب هجمات دموية قبل نحو عامين.

ومع إحكام الحصار على تنظيم الدولة الإسلامية في معاقله الرئيسية، يتوقع محمد عبدالله يونس الباحث في مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة أن تتصاعد وتيرة العمليات الإرهابية في الغرب، وتحديدا في عواصم ومدن ذات دلالة خاصة، لبث رسائل مزدوجة للخصوم والمتعاطفين في آن واحد بقدرته على اختراق المدن الكبرى وتبديد هامش الأمن الذي تتمتع به الدول الغربية، وهذا سيؤدي إلى تزايد عمليات استهداف المدنية الرخوة التي يصعب تأمينها، خاصة مناطق تجمعات المدنيين في المدن الكبرى.

داعش يسعى إلى بث رسائل للخصوم والمتعاطفين بقدرته على اختراق المدن الكبرى وتبديد هامش الأمن الغربي

وقال أندرو باركر رئيس جهاز المخابرات الداخلية البريطاني (إم.آي 5)، في تصريحات سابقة على إثر تعرض بريطانيا لـ4 هجمات هذا العام نفذها متشددون وأودت بحياة 36 شخصا وكانت الأكثر دموية منذ تفجيرات لندن في الـ7 من يوليو 2005 وتبنتها القاعدة، “بينما تتقلص أراضي التنظيم وثروته ونفوذه كثف المتشددون دعايتهم الإلكترونية التي ساعدتهم في عمليات التحويل إلى التطرف والإلهام بشن هجمات على المدنيين باسم الإسلام في أنحاء أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا”.

يطرح الحادثان (عملية الدهس في منهاتن وحادث الطعن في تونس) من جديد قضية الذئاب المنفردة والتحدي الذي تشكله على صعيد الحرب ضد الإرهاب والتطرف. وحسم هذه الحرب أصعب بكثير من حسم الحرب العسكرية الواضحة ضد تنظيم الدولة الإسلامية، فالحرب ضد الذئاب المنفردة هي مواجهة مفتوحة. فالأوزبكي سيف الله سايبوف، المتهم في حادث الدهس في مانهاتن “تحول إلى التطرف داخليا”.

وكشف حاكم نيويورك أندرو كومو الشاب البالغ من العمر 29 سنة “بدأ في الاطلاع على أساليب تنظيم الدولة الإسلامية والأساليب الإسلامية المتطرفة بعدما جاء إلى الولايات المتحدة الأميركية”. وأكد كومو العثور على قصاصة في شاحنة المشتبه به ذكر فيها تنظيم داعش. ونقلت شبكة أن بي سي نيوز عن مصادر شرطية القول إن القصاصة كان مكتوبا عيها “داعش يعيش إلى الأبد”. كما أفادت بأنه تم العثور على سكين في الشاحنة ورسالة مكتوبة بايع فيها تنظيم الدولة الإسلامية.

تطرف سايبوف، وكما أشار حاكم نيويورك، اكتسبه خلال تواجده داخل الولايات المتحدة الأميركية، وهذا في حد ذاته يلقي الضوء على زاوية جديدة في الحرب ضدّ التطرف والإرهاب، خصوصا في المجتمعات الغربية.

وتكررت حوادث الدهس في أكثر من مدينة غربية في الأشهر الأخيرة، من ذلك تنفيذ عدة عمليات إرهابية متتابعة في 17 أغسطس 2017، في إقليم كتالونيا في إسبانيا حيث تم تنفيذ الهجوم الرئيسي في شارع لا رامبلاس في برشلونة حينما قام مهاجم بقيادة شاحنة صغيرة لدهس حشود المدنيين في الشارع السياحي المزدحم، مما تسبب في مقتل 13 فردا وإصابة 100 آخرين. كما شهدت بلدة ألكانار، جنوب كاتالونيا، انفجارين تسببا في مقتل شخص وإصابة العشرات خلال محاولة لإرهابيين صنع عبوات ناسفة.

الاعتداءات التي نفذت بواسطة مركبات عام 2017

في مساء اليوم نفسه، سعت عناصر إرهابية إلى تكرار هجوم برشلونة في بلدة كامبريس جنوب العاصمة الكاتالونية بمحاولة دهس المارة في أحد الشوارع، إلا أن الشرطة تمكنت من قتل 5 من المهاجمين، وقد أعلن تنظيم داعش مسؤوليته عن العمليات الإرهابية حيث أشارت وكالة “أعماق” التابعة للتنظيم إلى أن الهجوم جاء “استجابة لنداءات استهداف دول التحالف الدولي”.

ويكشف هجوم برشلونة وتوابعه في إقليم كتالونيا عن أن توظيف المركبات في تنفيذ عمليات إرهابية بات ضمن التكتيكات الأكثر استخداما من جانب التنظيمات الإرهابية، حيث شهدت الدول الأوروبية ما لا يقل عن ثماني هجمات إرهابية تم خلالها استخدام المركبات كسلاح إرهابي.

عمليات سهلة التنفيذ

تتسم عمليات الدهس بسهولة تنفيذها، وعدم وجود متطلبات خاصة أو مهارات قتالية لدى المهاجم، بالإضافة إلى صعوبة توقع قيام شخص بالانحراف عن مساره واستهداف المشاة أو قوات الأمن في المناطق المزدحمة، كما تتسبب هذه العمليات في سقوط عدد كبير من الضحايا في وقت محدود للغاية بسبب ازدحام المناطق التي يتم استهدافها.

فقد شهدت مدينة نيس في فرنسا في 14 يوليو 2016 هجوما مماثلا استهدف خلاله قائدُ شاحنة جمهور المحتشدين لمشاهدة الألعاب النارية في يوم الباستيل مما تسبب في مقتل 86 شخصا وإصابة 434 آخرين. وفي 19 ديسمبر 2016 شهدت العاصمة الألمانية برلين هجوما بشاحنة في سوق مزدحم قبيل احتفالات الكريسماس، مما تسبب في مقتل 12 شخصا.

وفي 7 أبريل 2017، شهدت العاصمة السويدية استوكهولم حادثة دهس في شارع مزدحم مخصص للتسوق، مما تسبب في مقتل 4 أشخاص وإصابة 15 آخرين.

وتكررت عمليات إرهاب المركبات في لندن التي شهدت هجومين مماثلين في 3 يونيو 2017، حين قاد مهاجم شاحنة لتصطدم بالمشاة على جسر لندن، ثم قام بطعن عدد من المشاة. وفي 19 يونيو شهدت بريطانيا عملية دهس ضد المسلمين المتجمعين بالقرب من مسجد فينسبري بارك مما تسبب في جرح 11 شخصا.

كما شهدت العاصمة الفرنسية باريس حادثتين مماثلتين، ففي 19 يونيو 2017 قام مهاجم بالاصطدام عمدا بشاحنة تابعة للشرطة. وفي 9 أغسطس 2017 تم تنفيذ هجوم آخر بمحاولة دهس بعض الجنود الفرنسيين خارج منطقة عسكرية مما تسبب في جرح ستة أشخاص ومقتل المهاجم.

ويلفت محمد بسيوني، الباحث في مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، إلى أن تنظيم داعش سعى في أوج “خلافته” إلى التأسيس لما يمكن وصفه “علامة داعش” عبر تحريض الأفراد على القيام بعمليات لا تحتاج إلى تكاليف مرتفعة، وتستهدف أهدافا رخوة يصعب توقعها، على غرار عمليات الدهس التي تمت في أكثر من دولة غربية، وكذلك الهجمات المُسلحة للأفراد والخلايا الإرهابية محدودة العدد.

التقارير تكشف أن 80 بالمئة من منفذي العمليات الانتحارية في عواصم أوروبا كانوا من المقيمين في المدن الأوروبية

ويعد سيف الله سايبوف، الذي وصل من أوزبكستان في سنة 2010 إلى الولايات المتحدة حيث يحمل إذن إقامة دائما، أحدث نموذج على تطور هذه العلامة، واللافت فيها أن تطرف سايبوف لم يأت معه من بلاده الواقعة في آسيا الوسطى، وهي منطقة تعرف بجماعاتها المتشددة وقاتل عدد كبير من أبنائها إلى جانب تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا.

وفق وسائل إعلام اميركية، كان المهاجم يعيش في باترسون بنيو جيرسي، على بعد أربعين كلم عن مكان الاعتداء، والشاحنة التي استخدمت لقتل المارة والدراجين استؤجرت من أحد المحلات بمنطقة باساي بجنوب باترسون.

والمشتبه به معروف بارتكابه سلسلة مخالفات لقانون المرور، حسب الصحافة وحسب بعض الوثائق العدلية. في إحدى هذه القضايا، أوقف المشتبه به في بنسيلفانيا لاستخدامه جرارا مفرط الطول وللسياقة برخصة غير موافقة، وفق السجلات العدلية للولاية. وكان المشتبه به قد أدلى بعنوانين؛ واحد في باترسون والآخر في كوياهوغا فالس بأوهايو. ودفع في ذلك الوقت غرامة مالية دون أن يمثل أمام القضاء.

وتؤكد حادثة مانهاتن، وما سبقها من عمليات إرهابية هزت العالم الغربي، أن الإرهاب في الغرب لم يعد مجرد موجة عابرة سوف تنقضي بتفكيك حواضن التنظيمات الإرهابية في الشرق الأوسط، وإنما تحول إلى ظاهرة محلية وثيقة الصلة بالتعقيدات المجتمعية بالقارة الأوروبية.

ويكشف تقرير أعده المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، أن المخاطر الأمنية المحدقة بالدول الغربية، في ما يتعلق بالتهديد الإرهابي، أساسا، مصدرها محلي، حيث يشير إلى أنه وفي الوقت الذي تتصاعد فيه التحذيرات من عودة المقاتلين الأجانب من سوريا والعراق، كشفت الأبحاث أن 80 بالمئة من منفذي العمليات الانتحارية في عواصم أوروبا كانوا من الداخل، أي من المقيمين.

7