ذات الحاجبين المقرونين تثير الجدل مرة أخرى

مدير المكتبة الوطنية للموسيقى والصوتيات بالمكسيك بافيل جرانادوس يعرب عن ثقته في مسارعة المزيد من الأشخاص بتقديم ما لديهم من مواد للعثور على صوت كاهلو قبل أن يفوت الأوان وتتلف التسجيلات.
الثلاثاء 2019/07/30
مربكة في الحياة وفي الممات

في فيلم “فريدا” للمخرجة جوليا تيمور الذي صوّر الحياة التراجيدية الصاخبة المؤثرة للفنانة المكسيكية فريدا كاهلو (قامت بالدور سلمى حايك)، التي خلّفت وراءها تراثا تشكيليا رائعا، وملامح حياة تجسد مقدار الوجع والقلق والمعاناة الذي لف سنوات عمرها القليلة، الأمر الذي جعل من الراحلة أيقونة الفن التشكيلي المكسيكي، وهي الغامضة، والجامحة والفريدة كاسمها “فريدا” إن عرّبناه طبعا، يأتينا اليوم أول تسجيل صوتي محتمل للرسامة المكسيكية (1907–1954) أثار الجدل مرة أخرى حول مدى انتسابه إليها من عدمه.

أندريا سوسا كابريموس

مكسيكو سيتي – عُرفت فريدا كاهلو كفنانة عاشقة لخرق القواعد، وكمناضلة شيوعية وزوجة لفنان الجداريات دييغو ريبيرا، كما عُرفت كذلك كأيقونة الحركة النسوية، إلاّ أن أحدا لم يتخيلها تخرج علينا بصوت رقيق حالم كمذيعة. لذا تسلل إلينا الشك عندما أعلنت المكتبة الوطنية للموسيقى والصوتيات في المكسيك، التي تحتفظ بالتسجيلات الصوتية وتفهرسها، عن وجود أول تسجيل صوتي محتمل للرسامة المكسيكية (1907–1954) والذي جاء مثاليا للغاية.

يقول أرتورو إسترادا إيرنانديث، أحد التلامذة السابقين لكاهلو وأحد أعضاء مجموعة “لوس فريدوس” أو “المنتمون لفريدا”، “ليس صوتها بالطبع”. ولم يتعرف عليها آخرون ممن تعاونوا في السابق مع ريبيرا، في مقدمتهم الرسامة رينا لاثو (1886–1957).

نرى فريدا المزعومة وهي تتحدث خلال برنامج إذاعي لمحطة “دبليو” في مكسيكو سيتي، بصوت رخيم منغم وموح، نصا عن ريبيرا، وهو نص صاغته بيديها كي يكون ضمن كتالوج معرضها لعام 1949.

بين الشك واليقين

بعد أن استمعت إليه ممثلة المسلسلات الإذاعية والدبلجة المخضرمة أمبارو جاريدو، والتي كانت تعمل في تلك الفترة في ذات المحطة الإذاعية، قالت “شعرت أنه صوتي”. وقال آخرون إن الصوت يمكن أن يكون لمترجمات فوريات راحلات أمثال إيفانخلينا إليثوندو وكارمن مانثانو.

ومن جانبه صرح بافيل جرانادوس، مدير المكتبة الوطنية للموسيقى والصوتيات بالمكسيك، متشككا “بالرغم من كل شيء لا يمكن لي أن أستبعد نهائيا فكرة أن يكون الصوت لكاهلو”، مشيرا إلى أنه بصدد إجراء مناقشات مع بعض الباحثين لعقد مقارنات بين شخصيات تلك الحقبة، فهناك الآن حاجة إلى إجراء دراسة مقارنة. ويستطرد جرانادوس، قائلا “لدينا ما بين 15 و20 مذيعة أو معلقة إذاعة من خمسينات القرن الماضي كن قريبات من عالم الراديو والإذاعة آنذاك، وفي حال إن لم تكن فريدا إحدى هؤلاء الفنانات والممثلات سيتسع أمامنا مجال الشك بصورة أكبر”.

شبح الرسامة المكسيكية يثير الجدل مرة أخرى بسبب اكتشاف اسطوانات لها مسجل عليها برنامج إذاعي منسوب محتواه إليها

ويحتفظ بهذا الشريط في قبو داخل مقر المكتبة الوطنية المكسيكية، مع التحكم في درجة الحرارة والرطوبة. وهذا القبو هو عبارة عن منزل من الجدران الحمراء التي تعود للقرن الثامن عشر في حي كويواكان بالمكسيك، تحديدا العاصمة مكسيكو سيتي، حيث توجد الآلاف من الوثائق الصوتية على الأرفف المتحركة والتي يمكن للعاملين هناك أن يقوموا بلمسها فقط عن طريق القفازات.

وينفي جرانادوس فرضية إقدامه على تقديم التسجيل الصوتي للصحافة في الثاني عشر من شهر يونيو الماضي باعتباره “الصوت المحتمل لفريدا” في حضور وزيرة الثقافة المكسيكية، أليخاندرا فراوستو، دون التأكد من ذلك. ووفقا لما يصفه جرانادوس، ففي خلال البرنامج المعني بالنقاش، يقوم أشخاص مختلفون بالحديث عن ريبيرا ونسمع صوت فنان الجداريات وهو يغني في إحدى الحفلات، أما كاهلو -أو التي زُعم بأنها كاهلو- فتقوم بقراءة نص يصوّر فنان الجداريات بأنه “طفل ضخم وهائل ذو وجه ودود ونظرة حزينة”.

والقاعدة الرئيسية التي يُستند إليها في إمكانية الجزم بكون الصوت لكاهلو هي عبارة استكمالية قالها ألفارو جالفيث إي فوينتس، مقدم البرنامج، جاءت بمثابة توثيق صوتي هام لتلك الحقبة (1918–1975)، حيث يقول جالفيث الملقب بالثرثار “هذا الصوت الذي لم يعد موجودا معنا سوى في ديمومة كلماته، هو صوت فريدا كاهلو، هذا الصوت الذي قادنا إلى طفولة الرسامة البعيدة”.

وقد تم تسجيل ذلك البرنامج التجريبي ما بين عامي 1955 و1957، وبحلول ذلك الوقت كانت كاهلو قد وافتها المنية، إلاّ أن جرانادوس أشار إلى إمكانية الاستعانة بالصوت من تسجيل سابق. والتحليل والتفريغ الرقمي للتسجيل الصوتي هو نتاج لدراسة. وقال كذلك “أعلم جيدا أن ما قيل يمكن أن يتم تفسيره بطرق كثيرة، من الممكن أن يكون قولا مجازيا أو كناية أو استعارة ومن الممكن أيضا أن لا يكون كذلك”. أما الصندوق الذي يحوي الشريط فيقع في العمق فوق أحد الأرفف الطويلة بقبو المكتبة الوطنية، حاملا عنوان “الملف الصوتي لدييغو ريبيرا” وبطاقة ذات جوانب حمراء عليها أسماء فريدا كاهلو والرسام دكتور ألت.

حياة قاسية كصوتها

عندما توفيت فريدا كاهلو، عن عمر سبعة وأربعين ربيعا، عام 1954 لم تكن قد اشتهرت بعد، فلم تكن شاركت سوى في بعض المعارض إلاّ أنها جذبت الانتباه منذ ذلك الحين بشخصيتها وطريقة لبسها.

ومرت الفنانة بحياة قاسية، فقد عانت في صغرها من شلل الأطفال وتعرضت في مراهقتها لحادث مروري خطير عام 1925 حطم عمودها الفقري إلى ثلاثة أجزاء والتي ظلت أثاره وتبعاته ترافقها إلى الأبد. وعليه قامت بإجراء عمليات جراحية كثيرة انتهت ببتر إحدى ساقيها من أسفل الركبة.

وكانت لكاهلو علاقات غرامية عديدة مع رجال ونساء، إلى جانب علاقات أخرى مع الزعيم الثوري الروسي ليون تروتسكي في منفاه بالمكسيك، وعلاقتها الصعبة مع ريبيرا والتي تطلّقت منه ثم عادت للزواج منه في ما بعد. ذاع اسمها بعد أن قامت الحركة النسوية في الولايات المتحدة الأميركية بفرضه على الساحة مع بداية العقد السابع من القرن الماضي وبعد أن نشرت الأميركية هايدن هيريرا سيرتها الذاتية عام 1983.

غامضة حتى في نظرتها
غامضة حتى في نظرتها

وفي هذا الصدد يؤكد بافيل جرانادوس، قائلا “سواء كان الصوت لها أو لم يكن، إلاّ أنني آمل أن يكون هذا النقاش قد ساعد في سقوط صورة فريدا التي وضعتها في قالب رجولي لأنها على العكس من ذلك فقد كانت امرأة غاية في الأنوثة”، مشيرا إلى ذلك بقوله “كانت لها علاقات حب مع نساء ومن ثم تم تقديمها في كليشيهات على أنها ذكر، فنحن من قمنا بعمل هذا النسج الثقافي، بينما يقول الأشخاص من حقبتها التاريخية إنها كانت تمتلك صوتا نوعا ما حادا، دافئا، بلوريا وشبابيا”.

ويعرب جرانادوس عن ثقته في مسارعة المزيد من الأشخاص بتقديم ما لديهم من مواد للعثور على صوت كاهلو قبل أن يفوت الأوان وتتلف التسجيلات. فتحتوي المكتبة الوطنية للموسيقى والصوتيات في المكسيك على ما يقرب من 1300 شريط واسطوانة من مجموعة “الثرثار”، تم تحليل حولي 300 أو 400 فقط وتحويلها إلى النظام الرقمي، كما تحتفظ بنات الصحافي جالفيث بوثائق أخرى خاصة بوالدهنّ من كتابات ومذكرات وجداول أعمال ونصوص للبرامج من شأنها أن تضيف المزيد من المعلومات.

كان هذا الشريط عتيقا وفي حالة بالية وكان يجب ترميمه، وتشحيمه وتليينه، يمكننا القول إنه شريط ظهرت عليه بقوة علامات التحلل من الدرجة الأولى وهي كفيلة بالقضاء على أي شريط تسجيلي، لذا يرى بافيل جرانادوس أنه إذا كانت هناك رغبة في دراسة ما تبقى من تسجيلات خاصة بتلك السنوات والحفاظ عليها، فإن الأمر يستوجب تحويلها إلى النظام الرقمي في أسرع وقت ممكن، ويقول “نحن بصدد سباق مع الزمن”، مضيفا “أما صوت فريدا كاهلو فهو بمثابة شبح نقوم بمطاردته ولا نعلم إذا كان له وجود على الشبكة التي تحيط بنا أم لا؟”.

ومحور أعمال الرسامة المكسيكية كان دائما “الواقع والقدر”، إذ نبع ذلك من تجربتها الخاصة في المعاناة التي جعلت من تجربتها الخاصة مدرارة للخيال، ولم يكن ذلك إلغاء للواقع للوصول إلى مملكة الخيال، إذ أن لوحاتها كانت واقعية قابلة للفهم غير مستعصية الإدراك، وفيها الكثير من التوثيقية والتقريرية وواضحة حتى للمشاهد البسيط.

16