ذاكرة الأوروبيين بين الحربين دائما قصيرة

الشواهد المرتبطة بحياة نسبة مهمة من الأجداد الأوروبيين بشمال أفريقيا تسقط من ذاكرة إيطاليا وفرنسا وأوروبا اليوم عندما يتعلق الأمر بهجرة الشباب العاطل نحو جزيرة صقلية ووسط مشاعر معادية للأجانب عموما.
الأحد 2018/11/18
فرنسا لم تكشف حتى اليوم عن العدد الحقيقي للجنود الذين تمت تعبئتهم لمعركة "فردان"

ربما كان الرئيس الأميركي الشعبوي محقا في تفكير الفرنسيين بالدور الحاسم الذي لعبه الجنود الأميركيون عند دخول الولايات المتحدة الحرب الكونية الأولى، ما شكل منعرجا قلب موازين القوى ضد ألمانيا وحلفائها، وأبعد بذلك شبح تحول فرنسا من مهد للغة فولتير إلى بلد ناطق بالألمانية.

لا أحد يحتاج إلى تذكير فرنسا والعالم بالدور العسكري المهم الذي لعبته الولايات المتحدة في الحربين العالميتين الأولى والثانية، الأوروبيون أنفسهم لا ينكرون فضل الأميركيين عليهم في تخليصهم من الحكم النازي. وفي كل الأحوال كان لذلك ثمن بلا شك، فموازين القوى العالمية اليوم مازالت ملزمة بتبعات الحرب الأولى والثانية.

غير أن المشكلة أن ذاكرة الأوروبيين دائما قصيرة عندما يتعلق الأمر بتضحيات جيرانهم في الضفة الجنوبية من المتوسط. لا سيما من سقطوا في حرب لا تخصهم ولا تعنيهم من أجل تحرير أوروبا وأن تنعم أجيالها اللاحقة بالسلم والرفاه الاجتماعي والاقتصادي.

ففي فرنسا وألمانيا، وأوروبا عموما، يجري الحديث بفخر عن رمزية معركة “فردان” بشمال فرنسا كأطول المعارك التي شهدتها الحرب العالمية الأولى وأكثرها خسارة من حيث عدد الضحايا.

لكنْ، قليلون من تحدثوا عن رمزية معركة “فردان” من حيث أنها أكثر المعارك التي سقط فيها ضحايا من الجنود الذين جرت تعبئتهم من أفريقيا في كلا الجيشين، ولا سيما في الجيش الفرنسي الذي استعان بعشرات الآلاف من المغاربيين والأفارقة من المستعمرات لصد الاجتياح الألماني.

حتى اليوم لم تكشف فرنسا عن العدد الحقيقي للجنود الذين تمت تعبئتهم للمعركة لكن الإحصائيات المتداولة لدى المؤرخين تتحدث عن قرابة 600 ألف قتيل في المعركة التي امتدت على عشرة أشهر، معظمهم كانوا من جنود المستعمرات وقد أبلوا بلاء بطوليا بوجه جيش ألماني قوي وأكثر عتادا.

وإذا ما ألقينا الضوء كذلك على الحرب العالمية الثانية فإننا سنجد أن الكتائب  الفرنسية المدججة بالآلاف من الجنود المغاربيين كان لها الفضل الأول في اختراق خط الدفاع الألماني الحصين غوستاف على الجبهة الإيطالية، الخط الذي ظل في تقدير العسكريين الألمان غير قابل للاختراق. لكن ما فشل في إنجازه الأميركيون والبريطانيون نجح المغاربيون في تحقيقه. وهو اختراق كان له أثر بالغ على وجهة الحرب.

من الجيّد استحضار كل ذلك في كل مناسبة يحضر فيها زعماء العالم إلى أوروبا لإحياء مراسم ذكرى الحرب وتخليد ذكرى الضحايا والاتعاظ مما حصل. لكن تذكر الماضي يلقي أيضا على عاتق الشعوب المتحررة مسؤولية كبرى في رد الجميل والالتزام بالقوانين الدولية في حماية اللاجئين وفتح الأبواب أمامهم والمساعدة في تنقل المهاجرين والأشخاص بين دول المتوسط كما كان الحال متاحا لأجدادهم أيام الضنك والمآسي.

هناك الكثير من الوثائق تتحدث عن هجرات جماعية للأوروبيين نحو دول الجنوب للاحتماء من ويلات الحرب والفقر والأزمات الاقتصادية. وقد وصل بالفعل الكثير من الإيطاليين والمالطيين في هجرات غير منظمة عبر البحر إلى الأراضي التونسية القريبة واستقروا بها لبدء حياة جديدة. وهنا تكشف مراسلات ووثائق من حكم البايات في تونس عن انتشار واسع للموالي من أصول أوروبية في البلاطات وفي النسيج الاقتصادي والمجتمعي التونسي، هذا بخلاف مئات الآلاف من الأوروبيين الذين استقروا في المنطقة ضمن برنامج الاستيطان الأوروبي حتى بلغ عددهم المليون نسمة في الجزائر.

لكن مثل هذه الشواهد المرتبطة بحياة نسبة مهمة من الأجداد الأوروبيين بشمال أفريقيا تسقط من ذاكرة إيطاليا وفرنسا وأوروبا اليوم عندما يتعلق الأمر بهجرة الشباب العاطل نحو جزيرة صقلية ووسط مشاعر معادية للأجانب عموما، وهو ما تنطبق عليه صفة التنكّر المشين للماضي.

لا يتعين أن تكون ذاكرة الأوروبيين قصيرة بهذا الشكل المخزي، وأن تتملص من مسؤولياتها بعد قرون من الاستنزاف المنظم لثروات واقتصادات العالم والتوسع الرأسمالي نحو الأسواق الجديدة.

فرنسا استنزفت مقدرات المستعمرات الأفريقية لأكثر من قرن وكذلك إيطاليا في ليبيا والقرن الأفريقي وبريطانيا. كما ارتكب الألمان بخلاف الهولوكوست فظاعات في ناميبيا وباقي المستعمرات الأفريقية.

على أوروبا اليمينية أن تستحضر هذه الكلفة الباهظة باستمرار مثلما تذكرها الدائم بمسؤولياتها التاريخية تجاه الهولوكوست، فلولا أفريقيا وشعوب العالم لما كان لها أن تبني اقتصادها وتنعم بالسلم بعد قرون من السباق المحموم نحو سرقة موارد العالم.

5