ذاكرة الفرنسيين تلاحق الكاتب سيلين باللعنات

الاثنين 2014/05/26
الجدل السياسي الذي خلفه سيلين جعله من أشد المعادين للسامية

لويس فرديناند سيلين، هو كاتب وروائي وطبيب فرنسي (1894-1961)، سيظل اسما مثيرا للجدل السياسي في عالم الأدب بفرنسا. من الناحية الأدبية لم ينكر مُجايلوه من الأدباء ولا الذين جاؤوا من بعدهم قَدرَ هذا الكاتب الفرنسي العملاق، أو أن رائعته “سفر إلى آخر الليل” على اعتبارها واحدة من أهم كلاسيكيات الأدب العالمي التي كان لها حين تمّ نشرها عام 1932 دوي صاخب لم يتراجع صداه إلى الآن.ظل كتاب فرديناند سيلين الموسوم بـ”سفر إلى آخر الليل”، متقدما في لائحة أفضل مئة كتاب مؤثر على قائمة النيويورك تايمز الأميركية أو اللوموند الفرنسية.


وطنية الأدب


الجدل السياسي الذي خَلفه سيلين ذو الأصول الدينية المسيحية الكاثوليكية المتشددة جعله من أشد المعادين للسامية، ولم يكتف بذلك بل أوغل في اليمين المتطرف وصولا إلى تأييد النازيين في احتلالهم لوطنه فرنسا. كطبيب عمل سيلين قبل الحرب العالمية الثانية في ألمانيا وهناك شاهد بأم عينه صعود النازية التي كانت واعدة آنذاك وحققت نهضة جبارة على جميع الأصعدة فتمنى ذلك لوطنه الذي كان يعاني من تآكل القيم وتلاشيها، وهي التي بشرت بها الثورة الفرنسية حسب قناعته والخضوع المُذل للتجار اليهود، وأن أمما مثل الأميركان والألمان قد تفوقوا عليها بمراحل، فأبدى انحيازه التام للقوات الغازية لبلاده وبذلك قطع كل الخيوط التي تربط المواطن العادي ببلاده والتصقت به صفة الخيانة ولم يعد يُشار إليه بعد تحرير البلاد من شر المُحتل إلا بصفة “الخائن” وهكذا لم يتوان أبناء جيله الذين وقع على عاتقهم إحياء النهضة الأدبية الفرنسية بعد الحرب مثل جان بول سارتر وألبير كامو وسيمون دي بفوار، المصنفين على اليسار الأوروبي، من شن حملات ضارية عليه كإنسان خائن لبلاده وإن لم ينكروا قيمته الأدبية التي لا تكفي وحدها لكسب صفة “وطني” انتهت إلى عزله نهائيا حيث مات كنكرة في شقة باريسية عام 1961.

مناسبة هذه المقدمة عن سيلين هو إقامة المهرجان المسرحي العريق للناطقين باللغة الألمانية كل عام في مثل هذه الأيام وهو من أعرق المهرجانات المسرحية وأهمها على الإطلاق حيث لا توزع فيه الجوائز في الختام على المشاركين كعادة المهرجانات بل تعتبر مجرد المشاركة فيه هو شهادة بالتمّيز ولقد رأسه لسنوات طوال الشاعر الألماني يواخيم سوتاريوس الذي يعتبر من أهم أدباء ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية.

وفي هذا العام تأتي واحدة من أهم الفرق المسرحية (ميونخ رزيدنت) لتقدم العمل الشائك “سفر إلى آخر الليل” ولمدة أربع ساعات ونصف على ما تحمله المادة من إشكالية أخلاقية تتوزع مناصفة ما بين الإبداع والخيانة! وبرؤية مخرج اختار على الدوام المواضيع الصعبة التي تثير زوبعة من الأسئلة الجدلية (فرانك كاستاورف) ومن تمثيل المبدعة (بيبيانا بيكلاو) التي اختارها المخرج للقيام بدور البطل الذكر لاستفزاز كل أطياف المجتمع من رجال ونساء، من محايدين ومتواطئين، بين اللذين اختاروا الصمت وذوي الصوت العالي، المتدينين وغير المتدنيين، لا شيء ثابت أو لا شيء يمكن الركون إليه باسترخاء على أنه بديهية فالمجتمعات مُتغيرة ومُتحولة وليست ثابتة، لآن الثبات يعني الموت، حتى الأخلاق والقيم قابلة للتغير والتكيف مع الحالة الاجتماعية الزمنية التي تَمرّ بها.


كذبة الحقيقة

الكتاب ظل متقدما في لائحة أفضل مئة كتاب مؤثر


قدم المخرج بطل سيلين في العمل (فرديناند باردامو) الذي هو في الحقيقة سيرة ذاتية للكاتب على أنه فوضوي يميني! يبدأ معه من الكونغو المستعمرة السابقة التي عمل فيها المؤلف وهو موزع بين واجبه الإنساني كطبيب وبين احتقاره لـ”العبيد” سكان البلد الأصليين، ثم الانتقال إلى أميركا والتأثر بالنهضة الرأسمالية التي حفظت، حسب سيلين، للمواطن كرامته من خلال توفير فرص العمل والعيش الرغيد، ثم نحو ألمانيا وهناك لم يعد يُخفي انحيازه إلى النازيين اللذين استطاعوا رغم الشروط القاسية التي فُرضت عليهم بعد الحرب العالمية الأولى وتجرع ذل الهزيمة حتى الثمالة، من النهوض مجددا والاستعداد لاسترجاع كرامة ألمانيا التي مرّغها الحلفاء بالوحل، كما راقت له كثيرا فكرة “تنظيف” المجتمع من كل ما هو يهودي.


طعم الخيانة


خلال مشاهدتي للعرض المُبهر لم يغب عن ذهني سؤال مُلحّ، وأنا أتذكر قائمة من سموا أنفسهم “أدباء العراق ومثقفيه” وهم يوغلون في خيانة الوطن ويرسلون الرسائل إلى جورج دبليو بوش وتوني بلير ومن لف لفهم من عصابات اليمين المُتعطشة للنفط والدم العراقي وتحريضهم على احتلال الوطن!.. ما هو السر وراء صلف هؤلاء ووضاعة تفكيرهم الذي أعماهم عن رؤية الدمار الذي حاق بالبلاد والعباد من إبداء اعتذارهم لالتباس الرؤية السياسية وسوء تقديرهم أو أي تبرير آخر ولماذا اكتفوا بالصمت المُريب الذي له طعم الخيانة، مُراهنين على تهرّؤ ذاكرة العراقيين التي لن تلاحقهم بالاشمئزاز ونسيان دورهم المُذل.. فرغم كل الإبداع الذي تميز به سيلين إلا أن ذاكرة الفرنسيين ظلت تُلاحقه باللعنات عندما أقيمت قبل سنوات احتفالية بمئوية الكاتب وفوجئ القيّمون على الاحتفالية بحجم الاستنكار والكراهية التي قوبلوا بها لتجرُّئهم على الاحتفال به وخصوصا من الأجيال التي ولدت ما بعد الحرب، الذين أثبتوا أن ذاكرة الوطن تستيقظ عندما يتم تصنيف المواطنين ما بين الخيانة والوطنية “فوالله ما غُزي قوم في عقر دارهم قط إلا ذلوا -نهج البلاغة-”.

15