ذاكرة المدن

وحدها مدينة أصيلة في أقصى الشمال المغربي ظلت وفية لأغلب من استضافتهم في مواسمها الثقافية والفنية.
الجمعة 2018/07/27
حديقة الطيب صالح في أصيلة

تتميز كل عاصمة من عواصم البلدان الغربية ومدنها باحتفاظها بآثار كتاب وشعراء ومفكرين وفنانين ولدوا أو عاشوا فيها، أو استقروا بها لفترة قصيرة أو طويلة.

ففي فيينا التي اشتهرت بمقاهيها الفسيحة، يمكن للزائر أن يقف على آثار عظماء الكتاب والشعراء والفلاسفة والفنانين الذين احتضنتهم قبل انهيار الإمبراطورية في نهاية الحرب الكونية الأولى أمثال كارل كراوس الكاتب الساخر، وروبرت موزيل صاحب رائعة “رجل بلا مواصفات”، وستيفان زفايغ الذي رثى أمجادها في كتابه البديع “عالم الأمس”.

ولا تزال الشقة التي كان سيغموند فرويد يستقبل فيها الرجال والنساء الذين ساعدوه على تعميق أبحاثه التي أحدثت ثورة هائلة في مجال علم لنفس قائمة كما كان حالها في نهايات القرن التاسع عشر.

وفي باريس، لا تزال المقاهي والمطاعم في “الحي اللاتيني”، وفي “مونبارناس”، وفي أحياء أخرى تحتفظ بذكرى من صنعوا مجد فرنسا الثقافي والفكري والفني في فترات مختلفة من تاريخها أمثال ديدرو، وفولتير، وفيكتور هوغو، وشاتوبريان، وبودلير، وبروست، وسارتر، وفاليري، وبيكاسو، وغيرهم.

وفي قلب مدينة ميونيخ الألمانية، على حافة حديقة صغيرة، ينتصب تمثال صغير للشاعر والمفكر الباكستاني محمد إقبال الذي حصل في هذه المدينة على شهادة الدكتوراه في أوائل القرن العشرين، مبديا إعجابا خاصا بالفيلسوف الشهير فريدريك نيتشه.

أما في عواصم البلدان العربية ومدنها فإن تخليد ذكرى الكتاب والشعراء والمفكرين والفنانين نادر، إن لم يكن منعدما أصلا.

وخلال العام الماضي، نشرت الصحف التونسية صورة لبيت عائلة الشاعر الكبير أبي القاسم الشابي في مدينة توزر بالجنوب التونسي، وقد بات خربة تجول فيها الفئران، وفيها يعشش البوم. وكذا الحال بالنسبة إلى بيت الروائي الكبير البشير خريف في قلب المدينة العتيقة بالعاصمة، حيث كتب قصصه ورواياته الرائعة. وأما مقهى “الزنوج” بشارع باريس الذي شهد بروز حركة طلائعية أدبية وفنية في بدايات الثمانينات من القرن الماضي فقد تحول إلى مصرف.

وفي مقهى “ريش” في القاهرة نحن لا نعثر على أي أثر من آثار كبار الكتاب والفنانين والشعراء والمفكرين الذين احتضنهم هذا المقهى في الستينات والسبعينات من القرن الماضي، وكان شاهدا على معاركهم وسجالاتهم الساخنة، وعلى جلساتهم البديعة التي تكثر فيها الطرائف واللطائف على الطريقة المصرية. وأما مقهى “غروبي”، المقهى المفضل لتوفيق الحكيم ويحي حقي فقد تحول إلى مقهى شعبي خال من أي شيء يمكن أن يحيل إلى هذين الكاتبين الكبيرين.

وحدها مدينة أصيلة في أقصى الشمال المغربي ظلت وفية لأغلب من استضافتهم في مواسمها الثقافية والفنية. فمبادرة من ابنها البار محمد بن عيسى، أقيمت حدائق جميلة وفاء لذكرى الشاعر الكونغولي تشيكايا أوتامسي، والشاعر العراقي بلند الحيدري، والشاعر الفلسطيني محمود درويش، والرئيس الشاعر السينغالي ليبولد سيدار سنغور، والروائي السوداني الطيب صالح، والمفكر المغربي محمد عابد الجابري.

وبهذه الحدائق ازدادت أصيلة جمالا وفتنة، مثبتة بذلك وفاءها لكل من أحبها، وساهم في مواسمها التي تحولت إلى منابر ثقافية وفكرية مشعة لا على العالم العربي وحده، وإنما على العالم بأسره.

14