ذاكرة المستقبل

ذاكرة المستقبل تكتسي أهمية لكونها تسمح لنا بالتكيف مع حياتنا اليومية، واتخاذ القرارات، وافتراض الاحتمالات، وهو ما يسميه الذاكرة الاستشرافية، الموجهة نحو الفعل.
الخميس 2018/12/13
ذاكرة المستقبل دينامية تسمح باستباق مستقبل ممكن (لوحة: شادي أبوسعدة)

تعلمنا في درس الفلسفة أن الذاكرة تعني دُؤوب الماضي، أي أن الماضي يمكن أن يستمر في شكل عادات بسيطة، وتعمل الذاكرة على تمثله واستمرار حضوره؛ وتعلمنا أيضا أن الذاكرة يمكن الاهتداء إليها من خلال خمسة عناصر هي خزن الذكريات، والمحافظة عليها، واستحضارها، والتعرّف عليها، وتبئيرها.  أي أن عملها مرتبط أساسا بأحداث الماضي، ولا شأن له بما سوف يجري لاحقا، وها أن باحثا في سيكولوجية الجهاز العصبي يدعى فرنسيس أوتاش يؤكد على وجود ذاكرة مستقبلية، ضرورية لعملية الخلق.

في كتاب أصدره مؤخرا بعنوان “ذاكرة المستقبل”، يعتقد هذا الباحث المتخصص في الذاكرة واضطراباتها، أننا نعرف اليوم، بفضل بحوث خبراء في علم النفس الإدراكي، أن الذاكرة ليست مجرد موضع لتخزين الذكريات، بل هي محرك في وجه من الوجوه، حيث يلتقي الماضي والحاضر والمستقبل ويغذي بعضها بعضا. وما أطلق عليه ذاكرة المستقبل هو دينامية تسمح باستباق مستقبل ممكن، وتصور مختلف السيناريوهات انطلاقا من معارفنا السابقة.

عندما ينهض المرء في الصباح ويشتاف نهاره مثلا، فإنه يستند مباشرة إلى ذاكرة المستقبل، فيعيش لحظات يسرح فيها ذهنه بكيفية خلاقة، ويندمج الماضي بالحاضر ويكيّفه. ويستشهد المؤلف ببحوث في التصوير الدماغي تبين أن شبكات الدماغ المرتبطة بذاكرة السيرة الشخصية، أي ذاكرة الماضي، تشترك في جانب منها بالشبكات الدماغية لذاكرة المستقبل. وهو ما بينته التجارب التي أجريت على فاقدي الذاكرة، إذ هم يجدون صعوبة في استعادة الماضي، مثلما يجدون الصعوبة نفسها في تصور المستقبل.

وفي رأي الباحث أن ذاكرة المستقبل تكتسي أهمية لكونها تسمح لنا بالتكيف مع حياتنا اليومية، واتخاذ القرارات، وافتراض الاحتمالات، وهو ما يسميه الذاكرة الاستشرافية، الموجهة نحو الفعل؛ كما تساهم ذاكرة المستقبل في حرية خياراتنا، لكونها تعبيرا عن هويتنا وتطلعاتنا، فإذا حال عن بُعدها ذاك حائل اختل كياننا.

كل ذلك في وضع عادي تقليدي، فكيف تكون ذاكرة المستقبل في عصر الثورة الرقمية؟ ألا تعرّض التكنولوجيات الحديثةُ تلك الذاكرةَ للخطر وقد غدونا محاطين بذاكرات خارجية رقمية، كالهاتف الجوال ومحركات البحث، ما قد ينتج عنه تراجع في استعمالنا لما يسميه علماء النفس “حال الغياب”، أي تلك اللحظات التي يشرد فيها ذهن المرء ويسرح في أفكار وخواطر تشرّق به وتغرّب. والحال أن أحلام اليقظة تلك، وسفر الذهن إلى مواطن قصية، وطوافه في مناطق الخيال ضرورية لا للتفكير وحده، وإنما أيضا لربط المكتسبات والمعارف بعضها ببعض، والتأليف بين عناصرها تأليفا يساعد على الخلق والابتكار.

15