ذاكرة المكان منبعا للمخيلة

الأحد 2017/11/12
من أعمال الفنان تتضمن انتقاله الهادئ عبر نصف قرن من التعبيرية إلى التجريد والاختزال

الفنان الصادق هو ابن بيئته، وسر بلوغه العالمية من أوسع أبوابها أن تنضح أعماله بخصوصية واقعه ومفردات تراثه وعناصر الحياة من حوله وحركة البشر. هذا ما يؤمن به، ويجسّده في إبداعاته، الفنان مصطفى الفقي (80 عامًا)، أحد أبرز وجوه التشكيل بمصر في العصر الحديث، وصاحب البصمات الملموسة في التصوير مع رفقائه من الرعيل الثاني.

في معرضه الاستعادي بالقاهرة، المقام بأتيلييه العرب للثقافة والفنون “ضي”، والذي افتتح الأحد الـ5 من نوفمبر ويستمر حتى الـ25 منه، يقدم التشكيلي المخضرم مصطفى الفقي، أستاذ التصوير المتفرغ في كلية الفنون الجميلة بالقاهرة، ما يمكن تسميته “بانوراما” رحلته الفنية الزاخمة عبر نصف قرن من الزمان، وتمثل أعمال المعرض أبرز محطاته وتنقلاته الإبداعية في الرسم والتصوير، ومراحله المختلفة الموسومة بثرائها ودهشاتها ومفاجآتها المتتالية.

من أولى اللوحات التي يشهدها المعرض ما أبدعه الفنان الفقي في ستينات القرن الماضي، واتجاهه الواقعي والتعبيري آنذاك، مرورًا بمرحلة السعودية، التي قضى فيها الفنان عشرة أعوام، واتسمت ملامح هذه المرحلة بالصوفية والروحانيات، خصوصًا في تعامله مع الكعبة المشرفة وفريضة الحج والأماكن المقدسة.

ثم مرحلة إقامته في كل من إيطاليا وتركيا، التي انطلقت فيها مخيلته بحس تجريدي، ولجأ إلى الاختزال والرمز، وصولًا إلى إبداعاته الأخيرة، التي تفيض بها ذاكرته بإيقاعات شفيفة تلخص خبراته الطويلة ووعيه العميق بالمكان والبشر، وحفاوته بالتراث المصري الشعبي الذي يعلي من شأنه دائمًا.

في أحواله كلها يبقى الفنان مصطفى الفقي معلقا بحبال المكان والبيئة الشعبية وثيمات التراث الحكائية وعناصر الطبيعة

ويعود ثراء تجربة الفنان مصطفى الفقي إلى تنوع منابعها، فالفنان الذي تخرّج في كلية الفنون الجميلة في العام 1964 (قسم التصوير)، أكمل دراسته بالماجستير الذي حصل عليه في العام 1974، ثم كان أحد أعضاء البعثة المصرية للحصول على الدكتوراه من العاصمة الإيطالية روما (1976-1979)، وله حضور واسع في المحافل الدولية عبر معارض فردية وجماعية.

علاوة على تعدد المناهل المعرفية والعلمية التي استقى منها الفنان مصطفى الفقي معالم طريقه فإن مداركه الفنية مفتوحة النوافذ على المعاينات والمشاهدات المباشرة، وصخب الحياة في الواقع النابض، في مصر بالمقام الأول، وفي الدول الأخرى التي عاش فيها.

وتكاد تشكل ذاكرة المكان المنبع الأول للمخيلة البصرية للفنان الذي مد جسورًا غير هينة كذلك لسرديات التراث الشعبي المصري المطولة، وعناصر ومفردات الحياة الشعبية البسيطة القديمة والمعاصرة على حدّ السواء، لتحمل أعماله في مجملها عنوانًا عريضًا هو أن الفنان ابن بيئته ومكانه.

مسرح العاديين

التجول البصري في أعمال الفنان مصطفى الفقي التي تمثل أهم محطات رحلته الفنية هو بمثابة ارتياد “مسرح العاديين”، إذا جاز التعبير. والمسرحة هنا تعني الحركة أيضًا إلى جانب التصوير، كما تعني الدراما والصراع والانسيابية والموسيقية في مشاهد الحياة التي ينقلها، وحوارات الشخوص وتفاعلاتهم وبروز الزمان والمكان، إلى آخر عناصر المسرحة التي يخرجها الفنان برغبة في تحويل الفن إلى شاهد أمين على العصر.

في هذا المسرح البصري بتنويعاته الواقعية والتعبيرية والإيحائية ثم باختزالاته الرمزية والتجريدية يتقاسم البطولة العاديون والبسطاء من البشر، ومظاهر الطبيعة ومفرداتها الحيوية المختلفة، في حين تحفل اللوحة ببطل آخر من نوع خاص هو السرد الذي قد يكون حكيًا عن الواقع أو عن التراث الشعبي أو عن أسطورة أو ملحمة أو عن حلم أو عن فانتازيا. هناك دائمًا “موضوع” وتفاصيل ثرية وواقع موازٍ تقود إليه أعمال الفنان.

جلسات السيدات في الريف المصري، الفلاحون المسافرون في قطار، فئات الصنايعية وأصحاب الحرف العتيقة في حوانيتهم، الناس والتجار في الأسواق التقليدية، الطيور في أعشاشها على الأشجار، البيوت المتناثرة في القرى المصرية وعلى الجبال في أوروبا، قوارب الصيادين والشباك التي تسكنها الأسماك، وغيرها وغيرها، نماذج من هذه “الموضوعات” التي يتناولها الفنان مصطفى الفقي بالتصوير المسرحي الذي يفيض بالحيوية والقدرة على اجتذاب المتلقي إلى مكان الحدث ليسمع ويرى ويتفاعل ويشارك.

قوة تأثير المكان بلغت منتهاها في محطة "التصوف"

على امتداد تجربته وتنقلاته الفنية اختلفت آليات الفنان مصطفى الفقي في التعبير، فما كان يعني الفنان في بداياته من نقل بعض المشاهد بحذافيرها وتمثيل أناسها بملامحهم الكاملة لم يعد يعنيه لاحقًا على هذا النحو، إنما تحول الرصد إلى بث إيحاءات وتأثيرات وطقوس وأجواء هذه المشاهد باختزال ما يزيد على الحاجة والاكتفاء بالطاقة الكاملة التي قد تغني عن حضور الكتلة بمعناها الفيزيائي الجامد.

في أحواله كلها يبقى الفنان مصطفى الفقي معلقًا بحبال المكان والبيئة الشعبية وثيمات التراث الحكائية وعناصر الطبيعة، على أن تلك الحبال التي كانت مرئية بوضوح في أعماله الواقعية والتعبيرية تحولت إلى خيوط رفيعة محسوسة في إبداعاته الرمزية والتجريدية وصار المشهد الواقعي المباشر بمثابة دلالات ومعانٍ وإيحاءات تخطف القلوب إلى “الحالة”، قبل أن تلحظ الأبصار الصورة وتفهم الأذهان المراد.

الفن والتصوف

هذه الرحلة الوعرة التي خاضها الفنان مصطفى الفقي إلى الاختزال والتجريد من أجل تصوير مشهد سردي عريض ينبني على حضور الشخوص وقوة تأثير المكان، بلغت منتهاها في محطة “التصوف”، حيث الحساسية القصوى في التعبير الدلالي الموحي، والاكتفاء بأقل القليل من الوضوح المجاني، إذ يراهن الفنان على الجوهر المنفرد، أو اللب من دون القشور.

من أعمال هذه المرحلة تصوير الفنان الكعبة المشرفة ومن حولها الطائفون والمصلون من غير ملامح فردية بطبيعة الحال، وينوب الطقس الجمعي عن الفروق الفردية المتلاشية، مثلما ينوب البياض عن أثواب البشر وتنضح طقوس اللوحة بالطمأنينة والخشوع والنورانية كقيم مجردة مستشفة ويكاد يسمع المتلقي صوت الأذان.

هذه النزعة التصوفية ليست قاصرة على الأعمال ذات المرجعية الدينية في تجربة الفنان فهي يمكن النظر إليها كفلسفة مستقلة تنبني على قصد الروحاني وبلوغ الماهية والاقتصاد في التعبير.

ويحفل معرض الفنان مصطفى الفقي بأعمال في هذا السياق، منها لوحة تمثل التقاء السماء بأمواج البحر في أفق بعيد مجهول وأخرى لبيوت بيضاء متلاصقة تتحدث لغة خاصة بنكهة النقاء الخالص.

وتمثل الضبابية ملمحًا من ملامح أعمال الفقي التجريدية والتصوفية ويخفّت الفنان من حدة ألوانه اتساقًا مع التحلل من وضوح الملامح والأشكال، وتغذي تلك التقنيات فكرة اتحاد الذوات واقتراب الفنان من الآخرين حدّ التماهي معهم، وتذوب الفواصل بين القلوب والأرواح، وهنا يعود الفن إلى معناه الفطري ليصبح تصالحًا للفنان مع ذاته في المقام الأول بما يضمن تواصلًا صادقًا مع الجمهور.

كاتب من مصر

15