ذاكرة جاك نيكلسون تعتزل

الأحد 2013/09/15
نهاية عصر من الفن والثورة والجنون

رجل السينما المتمرد جاك نيكلسون لم يعد يحفظ نصوصه جيداً! هذا ما قيل بعيد انتشار خبر تقاعد النجم الأميركي الكاتب والمخرج والممثل البالغ من العمر 76 عاماً. يتساءل المرء هنا عن مآلات الموجة السينمائية الأميركية الجديدة في أواخر الستينات وأوائل السبعينات، بتقاعد نيكلسون وتدهور أداء روبرت دينيرو واعتزال باقي ممثلي هذه المرحلة منذ زمن.

تلك الموجة التي كانت نتيجة للأزمات الاجتماعية والسياسية التي عرفها الغرب في النصف الثاني من القرن الماضي، وتثوير الثقافة في مواجهة القيم والمفاهيم السائدة والراكدة، والفلسفات الاجتماعية الجديدة التي احتفت بالهامشي والمنفلت والمتمرد على المنظومة، جسدها نيكلسون في أوجها بامتياز، واحتوت أمثاله بسهولة، فشخصيته المتمردة بقسوة، ذات الطاقة المشتعلة والابتسامة الشريرة والأطوار الغريبة عبّر عنها بأفلامه التي توغلت في مجاهل الشذوذ الإنساني والخروج عن سياق المجتمع ومحاولة تحطيم قيمه ومؤسساته السلطوية، مثل فلم "أحدهم طار فوق عش الوقواق" المتأثر بفلسفة ميشيل فوكو وكتابه "تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي"، وبقصة تشيخوف الشهيرة "العنبر رقم 6"، حيث تمكن نيكلسون من التجسيد المبهر للشخصية المنفلتة من أعراف المجتمع الانضباطي فكان مصيرها السجن في واحدة من أقسى مؤسساته: المصحة العقلية، بكل ثقة يقودنا نيكلسون في متاهات هذه الشخصية ويقدم مصيرها التراجيدي بشكل يجبرنا على التعاطف معها والغضب لمصيرها، حتى "الجريمة" التي اقترفتها الشخصية بعلاقتها الجنسية مع فتاة قاصر باتت بفضل أداء نيكلسون فعلاً يمكن التصالح معه لدى المشاهد الغربي المتحفظ بشدة على مثل هكذا تصرف.

وفي عز تلك الموجة السينمائية المتمردة جاء فيلم نيكلسون "ساعي البريد يطرق الباب دائماً مرتين" الذي قاد المشاهد في النهاية إلى نتيجة عبثية بعيدة عن ميزان الخير والشر، وقيم الحق والخير التقليدية، وغاص في أعماق الشر والرغبة والغرائزية الإنسانية، هذا النوع من المواضيع والزوايا التي لم تتطرق له السينما قبل هذه الموجة، كان نيكلسون أفضل من جسده خلال فترة انطلاق نجوميته، بعد فترة طويلة من العمل مع روجر كورمان بأفلام من الدرجة الثانية.

قال عنه المخرج رومان بولانسكي وهو الابن البار لتلك الحقبة: "إن جاك هو من أسهل الأشخاص الذين يمكن العمل معهم والذين قابلتهم في حياتي المهنية. أعتقد أنه يدلل المخرج، والكاتب أيضاً، يمكنك أن تعطيه أي نص وسيبدو مناسباً حتى لو كان غريباً أو مكتوباً بأسلوب سيء".

بالنسبة لآخرين، وخارج تلك الموجة الجديدة الجامحة، كان نيكلسون أكثر شذوذاً وتمرداً من تسليمه أدوار البطولة، فكاتب الرعب الشهير ستيفن كينغ تحفظ بشدة على أداء نيكلسون لبطولة فيلم "الوميض" المستوحى من روايته ذات العنوان ذاته، وعلّل ذلك بأن نيكلسون ليس رجلاً عادياً! وكذلك الممثل والمخرج دينس هوبر الذي تخوف مع العمل مع نيكلسون في فيلمه "الراكب السهل" لأسباب مشابهة.

بالفعل لم يكن نيكلسون رجلاً عادياً، سواء أمام الأضواء أو في حياته الخاصة.

وقد دمج في كثير من الأحيان بين الجانبين، حيث اعتمد على شخصيته الحقيقية في لعب أدواره الغريبة، كما في فلم "الوميض" الذي اختلطت فيه الأمور، فلم نعد قادرين على التمييز بين جاك الممثل وجاك الحقيقي. أو فلم "معرفة الجسد" حيث لعب دور زير النساء المفترس، هذا الدور الذي لم يكن بعيداً عنه أبداً في الواقع، كما ظهر في أحد تصريحاته المثيرة للضجة عام 2004 حيث قال: "أنا فقط أتعاطى الفياغرا عندما أكون مع أكثر من امرأة"، تصريح قوبل بإعجاب بفحولة الممثل بدلاً من الاستهجان المتوقع.

أو من خلال الواقعة الشهيرة حين غازل بوقاحة المذيعة جينيفر لورنس لدى إجرائهــا لمقابلات مع نجوم السينما فخطف بذلك الأضواء رغم أنه لم يكن مرشحاً لأي جائزة.

قال عنه المخرج رومان بولانسكي: "إن جاك هو من أسهل الأشخاص الذين يمكن العمل معهم، يمكنك أن تعطيه أي نص وسيبدو مناسباً حتى لو كان غريباً أو مكتوباً بأسلوب سيء".

هذا التسامح الذي تُقابل به عادة غرابة أطوار نيكلسون في حياته وأدواره السينمائية يبيّن لنا مدى الدور الذي لعبه هذا الممثل في صناعة جانب من الثقافة المتمردة والمضادة لعصرنا.

رغم ذلك كان نيكلسون يجيد أحياناً لعب دور "الصبي المهذب" والمتصالح مع "القيم النظيفة" لضرورات الأداء الفني، ليثبت احترافيته ومهنيته كممثل أولاً وأخيراً، ويرسخ موقعه كأيقونة سينمائية بغض النظر عن كل الاعتبارات الأخرى، كما في فلم "التعهد" مع شون بن حيث لعب دور المحقق المتهور المصر على تعقب قاتل أطفال، والذي يعد من أفضل الأدوار التي لعبها.

مصير نيكلسون الآن ونهاية رحلته الفنية يمكن اعتبارها أحد أبرز العلامات عن اضمحلال الموجة السينمائية الأميركية الجديدة وتراجعها، بل واضمحلال الثقافة المضادة الكلاسيكية برمتها، حيث تغيرت نوعية أدواره الأخيرة التي اتسمت بالتصالح مع المنظومة الاجتماعية والوعي السائد أو بالفكاهة والخفة. يمكننا الحديث هنا عن تشذيب مخالب هذا القط المفترس، كأدائه لبطولة فيلم "أفضل ما يمكن حصوله" الذي طرح القضايا الشائكة كالشذوذ الجنسي والعنصرية بأسلوب مسالم ومتفق مع مقولات الليبرالية السائدة في المجتمع الغربي.

أو أفلام ذات طابع كوميدي خفيف كفلم "لائحة الجيب" أو "كيف تعرف". ولقد انحسرت الثورة ضد القيم والغوص في الزوايا المظلمة للنفس البشرية المتمردة المنبوذة اجتماعياً إلى مجرد حلول توفيقية هي "أفضل ما يمكن حصوله".

ربما علينا هنا ألا نلقي بكامل اللوم على نيكلسون وغيره من الممثلين اللامعين في تلك الفترة أو على الأدوار قليلة القيمة الفنية التي تحال إليهم الآن، فالأزمة هي أزمة ثقافة ونهاية عصر بأكمله، ربما الأبْدى أن نحترم قرار نيكلسون الذي سيجنبه الوقوع في الإسفاف الفني وتبديد رصيده الكبير كأسطورة سينمائية، وسيحفظ مكانته في ذاكرتنا بكل وميضها وإشكالياتها، تلك المكانة التي خير من عبر عنها زميله داني ديفتو بالقول: "برأيي المتواضع، ما يمثله جاك هو الخلود، حياة جاك نيكلسون بدأت من 1937 وستستمر إلى اللانهاية".

15