"ذاكرة جصّية" معرض يستدعي فنون العمارة المهمشة

صور تنقلنا من الرواية البصرية إلى الرواية الفوتوغرافية، والمصور محمد الخراري يجمع الذاكرة المتلاشية من خلال الطين.
الأربعاء 2019/01/23
الضوء يتسلل بكثير من الرهافة ليصف عبقرية الإنسان

إن الصورة لغة تتجاوز في أحيان كثيرة اللسان، حيث تقدم في مدلول واحد أكثر من دلالة تتغير بتغير المتلقي، الذي يمكنه قراءة الصورة وفق ذوقه وثقافته وميولاته، لذا فإن التصوير فن يتطلب ذكاء وثقافة كبيرين من مبدعه، لتكون أعماله بأبعاد فنية وثقافية مختلفة، تساهم في تأطير رسالته، وفي نفس الوقت فتحها على أفق التأويل والتلقي، كما فعل مؤخرا الفنان السعودي محمد الخراري في معرضه “ذاكرة جصيّة”.

في معرضه الأخير بعنوان “ذاكرة جصية” يسلّط الفوتوغرافي السعودي محمد الخراري الضوء على مكونات البيوت التراثية في مدينة القطيف (شرق السعودية)، والتي تتشابه مع البيوت التراثية الخليجية بشكل واضح يمكن تتبع ملامحه الفنية ابتداء من الكويت شمالا مرورا بالبحرين وانتهاء بمعمار سواحل بحر العرب جنوبا.

خيارات جمالية

معرض “ذاكرة جصية” الذي افتتح مؤخرا في غاليري تراث الصحراء بمدينة الخبر السعودية يأتي ضمن مشروع متكامل يعكف عليه الخراري منذ زمن، حيث يهدف إلى بلورة الأرشيف الإنساني المسكوت عنه، والمنتقل من الرواية البصرية إلى الرواية الفوتوغرافية المشيرة بشكل صريح إلى ذاكرة متلاشية أمام سطوة العمران الإسمنتي الحديث الفاقد للهوية وللمكان وللذاكرة. بالإضافة إلى ذلك فإن المشروع جزء من كتاب سيرى النور قريبا.

في هذا المعرض يستدير الخراري بعدسته ناحية تشكيلات الجصّ، هذه المادة التي كانت جسد البناء القديم وروحه، كما كانت التعبير الأبرز عن فنون الزخرفة السائدة لدى الإنسان المحلي آنذاك، كمتداد لتجربته في توثيق البيئة التقليدية، الأمر الذي يجعلنا مباشرة أمام التفاصيل التي تهب الصورة موسيقاها الداخلية، فتأتي مشحونة بدلالاتها الجمالية والثقافية التاريخية.

المعرض يقدم مادة خاما للمهتمين بأرشفة ذاكرة الإنسان والمكان في المنطقة، لتناولها بما يتناسب مع دراستهم

وكعادته يتسلل الضوء في تجربة الخراري بكثير من الرهافة ليصف عبقرية الإنسان وهو ينطلق في البحث عن خيارات جمالية لوجوده في هذا المكان المكتنز بذاكرة جصيّة قد تجف، ولا تجف عدسة الخراري، الذي يرسم لوحة مشتهاة من زمن مرّ ولم نتوقف عنده طويلا لنتأمله.

يوضح الخراري لـ”العرب” أن الغاية من المعرض تتمثّل في تقديم مادة خام للمهتمين بأرشفة ذاكرة الإنسان والمكان في المنطقة، لتناولها بما يتناسب مع دراستهم، فالبعض، بحسب تعبيره، سيتناولها تاريخيا كعمر هذه النقوش، والحديث عن صانعيها، والخلفية الثقافية التي اتكأ عليها هذا المزخرف و”الجصّاص”، والبعض الآخر سيأخذها من منظور ثقافي، وآخر سيتناولها من وجهة نظر معمارية، وقد يأخذها آخر “نستولوجيا”.

ومن أجل هذه القراءات المفتوحة للأعمال الفوتوغرافية المقدّمة ارتآى الخراري ألا يذكر أي تفاصيل على الصور في المعرض/ الكتاب.

شحنات واقعية

يقول الخراري “بدأت المشروع فعليا قبل أكثر من سنة، للتركيز على تصوير الزخارف الجصية في بيوت القطيف، وجزيرة تاروت التاريخية لغناها معماريا، فكانت الرؤية واضحة بالنسبة إلي لتصوير الزخارف بشكل يستطيع المتلقي معرفة كامل تفاصيلها من حيث هندستها وأماكن تواجدها داخل المنزل، وبنسب يستطيع من خلالها معرفة أبعادها البنائية. أما في ما يخص المعرض، فحاولت جاهدا التأكيد على أهمية الصورة الفوتوغرافية كجزء أساس في أماكن تواجدها، وليست فقط كجزء مكمل”.

في هذا المعرض يستدير الخراري بعدسته ناحية تشكيلات الجصّ، هذه المادة التي كانت جسد البناء القديم وروحه 

وعن المعرض يقول الكاتب السعودي أثير السادة “هنالك رهان واضح وصريح على الاستثمار في جماليات العرض، من طبيعة تهيئة المكان إلى طباعة الصور، وحتى تأطيرها، كلها تكشف عن انهمام بدفع الصور المقدمة إلى حالة مكثفة من حالات الفرجة. التنويع في مقاسات الأعمال، وخاماتها، وطرق تأطيرها، وعرضها تحكي عن طبيعة السؤال الجمالي والاقتصادي الذي يؤطر تجربة ‘ذاكرة جصية‘، ستحرص بعض الأعمال على مماثلة موضوعاتها من حيث الأبعاد، كأنها دعوة إلى ملامسة موضوع الصورة من دون مسافة بين الشيء وصورته، أي أنها تذهب برغباتها إلى حقن الصور بالمزيد من الشحنات الواقعية”.

ويضيف “كذلك الجدارية التي كانت كافية لتهيئة المشاعر والأحاسيس لاستقبال المكان المرصود ومعايشة تفاصيله، يأخذه هذا الهوس بالتصعيد الواقعي للصور باتجاه استحضار قطع حقيقية من قطع الجص في ما يشبه الحالة الاحتفائية، تنسينا لحظة السؤال عن وجودها كبقايا خراب، لصالح حقائق العرض واتجاهاته التي لا تكف عن تذكيرنا بشواغل إنعاش رغبات الفرجة والتصعيد البصري”.

ويعدّ الخراري من أهم الفوتوغرافيين السعوديين، حاصل على شهادة الدبلوم في التصوير الاحترافي من معهد التصوير الاسترالي (PI، وشارك في العديد من المعارض الفنية المحلية والخارجية، وقدم العديد من دورات التصوير، ودورات في المعالجة الرقمية والإضاءة. كما قدم العديد من المحاضرات الفنية والثقافية في الفن البصري. وهو مهتم بتصوير حياة الشارع، وتصوير التراث، وقد كُرم من قبل United Nations لمشاركته في معرض  Our Environment, Our Kingdom.

14