ذاكرة وهوية الشعب السوري تتبدد أمام عجز وطني ودولي على إنقاذها

الحجر في سوريا ليس حجرا عاديا، إنه تاريخ وذاكرة وهوية، ملك للعالم كله وليس للسوريين وحدهم. لذلك ينشغل الباحثون والأثريون والمؤرخون حول العالم بمصير الآثار السورية ويحذر الجميع من أن يقوم تنظيم داعش بتدمير الكنوز الأثرية السورية التي لا يمكن أن تُعوّض، خاصة أن له تجربة ثأرية مع آثار الموصل في العراق.
الاثنين 2015/06/01
مواقع حلب المدرجة على قائمة التراث الإنساني لليونسكو دمرت وشوهت ملامحها

بعد أن قام مهنا السوري ابن حوران، المهتم بحماية الإرث التاريخي والأثري والمعماري في مختلف أرجاء سوريا، بعدة حملات ميدانية وشعبية وإعلامية لصونها من العبث والضياع، وهو يعرب عن أسفه من تهديد آثار سوريا خلال الحرب الجارية، حيث قال لـ”العرب” “إن سقوط تدمر التي تعتبر جزءا جوهريا من التاريخ السوري بأيدي تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) هو قطعا من أسوأ الأحداث في تاريخ سوريا، خاصة أن هذا التنظيم لا يؤمن بالحضارة”.

ولم يستطع مهنا الحديث عن الحاضر بمعزل عن الماضي، وقال “يجب ملاحظة أن الآثار والحجارة يمكن أن تُطعم الشعب خبزا، إننا لا نُقدّس الحجارة لكننا نقول إن لها قيمة هائلة خاصة تلك التي في سوريا، حيث لا مثيل لها في العالم”.

وتابع “كان يجب تحييد مديرية الآثار والمتاحف السورية عن الصراع الدائر الآن، على مستوى المعارضة والنظام، لكن ذلك لم يحدث والمجتمع الدولي تخاذل، ففي الحرب على العراق قدّمت اليونسكو خرائط لمواقع العراق الأثرية وتم وضع شعار اليونسكو عليها بدعم من مجلس الأمن مباشرة ومن علماء آثار كثر أقاموا الدنيا ولم يقعدوها لتجنب ضربها وتدميرها، ونستغرب لماذا لم يتحرك علماء الآثار الغربيين بنفس الزخم لإنقاذ الآثار السورية”.

واسترسل العاشق للآثار السورية في توصيف حال آثار سوريا قبل الأزمة الحالية قائلا إن “السلطة الأثرية السورية سمحت ببناء فنادق ومنتجعات داخل الحرم الأثرية بتدمر وعمريت وطرطوس وحلب وبصرى وحتى داخل أسوار دمشق القديمة وأعطى المدير العام للآثار والمتاحف موافقة في السنوات السالفة لبناء غرفتين من الطين لزوم تصوير مسلسل بدوي داخل الحرم الأثري في تدمر، وتبيّن لاحقا أن غرفتي الطين آلتا إلى منتجع سياحي من فئة الخمسة نجوم داخل الحرم الأثري لصالح شركاء لعائلة الأسد”.

في الحرب على العراق قدّمت اليونسكو خرائط لمواقع العراق الأثرية وتم وضع شعار اليونسكو عليها بدعم من مجلس الأمن

وأضاف “تولى مديرية الآثار والمتاحف أشخاص أعطوا قرارات بهدم الآثار السورية وفرضوها مع وزير الثقافة على مجلس الآثار الذي يُفترض أن توكل له حماية الآثار بحكم أنه يضم علماء آثار سوريين لكن معظمهم انصاعوا لهذه القرارات لهدم الآثار.

القرار الأثري في سوريا كان بين مطرقة الحاكم وسندان البعثات الأجنبية التي كانت تتبع لوزارات خارجية بلدانها مباشرة، والتي وصل نفوذها حد طرد بعثة أثرية وطنية من موقع أثري وتسليمه لبعثات أجنبية غربية. هذه الآثار عمرها مليون سنة، وهم يحولون اهتمامهم إلى أحداث عمرها بضع سنوات، وكثير من البعثات الأثرية الأجنبية التي عملت في سوريا واكتشفت مواقع أثرية مهمّة أخذت البحث العلمي لصالح مراكز أبحاثها، وكانت الأولوية لهم وليست لسوريا، لذلك السوريون الآن بلا هوية”.

وشرح يأس السوريين المهتمين بالحفاظ على الآثار من الوضع الذي كان قائما، وقال “كان التسيّب هائلا، وأرفع الرتب العسكرية والأمنية كانت وما زالت تبيع وتضع في قصورها أجمل القطع والتماثيل الأثرية، وكذلك الذين امتلكوا القرار في مديريات الآثار والجامعات كانوا يسرقون أرشيف الدولة المعماري والأثري، ولم تحترم الجامعات السورية علم الآثار كعلم وافد جديد”.

وأضاف “لم تفعل الحكومة السورية شيئا إيجابيا للآثار، فعلى سبيل المثال، كانت دمشق أجمل مدن العالم في الخمسينات، خططها المهندس الفرنسي ميشيل إيكوشار الذي أتى مع الانتداب الفرنسي في العشرينات، ثم عاد في الستينات ليدرس ويخطط لتوسع دمشق، ويضع حلولا لدمشق القديمة تيمّنا بطريقة هوسمان بأوروبا.

السوريون لم يفعلوا شيئا على مستوى حضارة سوريا الحديثة، وحتى النتاج الفني التشكيلي خلال السبعين سنة الأخيرة لا يعتبر شيئا عندما نتحدث عن موقع كتل حالولة على نهر الفرات شرق حلب، وهو موقع يعود إلى الألف الثامن قبل الميلاد، حيث وُجد علماء الآثار الغربيون لوحة أرضية لنساء ترقصن، واكتشفوا أول سنبلة قمح في العالم مُدجّنة تمت زراعتها”.
اعتبار الحرب في سوريا حربا أهلية منعت اليونسكو من فرض قوانين الاتفاقيات الخاصة بالحروب كاتفاقية لاهاي

وتابع “سوريا متحف كوني في الهواء الطلق، فيها الجناح الفينيقي على المتوسط، والجناح الروماني في مناطق متفرقة، والجناح البيزنطي والجناح الساساني، والجناح الإسلامي بمراحله، وفيها ما يكفي لأن تكون بلد الحج الأول لليهود في العالم، انطلاقا من الحي اليهودي في دمشق مرورا بمسجد بني أمية الذي كان يضم في فترة من الفترات معبدا يهوديا فكنيس دورا أوروبوس والقائمة تطول، ومسيحيا يكفي أن بها معلولا وكنيسة حنانيا بدمشق، وإسلاميا فيها مسجد بني أمية الذي لم تنقطع فيه طقوس العبادة منذ 4300 سنة. ودمشق القديمة تضم حيا يهوديا، وحيا مسيحيا، وحيا سنيا وآخر شيعيا، وفي هذا موعظة”.

وختم “اعتبار الحرب في سوريا حربا أهلية منعت اليونسكو من فرض قوانين الاتفاقيات الخاصة بالحروب كاتفاقية لاهاي في حالة نشوب نزاع مسلح”.

وكما قال الكاتب الإنكليزي هيبل “إن أردت أن تُلغي شعبا ما، عليك بشلّ ذاكرته وحرق كتبه ومحو تاريخه، ولكن طالما أن الغاية الأساسية من أي ثورة هو استرداد الهوية والكرامة ولقمة الشعب، فإن الثورة السورية دون لفت الانتباه لتراث سوريا لن يكون لها شأن، وهذا الأمر ينطبق على تدمر وعلى أكثر من عشرة آلاف موقع أثري مسجل رسميا في سوريا”.
12