ذبابة على أنف قاض

نقل الحدث للآخرين صار أمرا معقدا ومركبا، ولم يعد مجرد جمل وعبارات من كلمات وأفعال مضارعة ومبنيّة للمجهول.
الثلاثاء 2018/07/03
الجاحظ استطاع أن يمسك بالقارئ بين دفتي قصة تافهة

نعيش أحيانا تجربة لا نستطيع أن نكتمها نظرا لطرافتها؛ نرى رجلا وقورا مهيب الطلعة، يترجل بأبهة من سيارته الباذخة ويقع أرضا منطرحا على وجهه، نكتم ضحكتنا ونحفظ المشهد لنرويه للآخرين، ففينا طبع إنساني أصيل يدفعنا إلى أن نطرف الناس.

لكننا في معظم الأحيان نتلقى ضحكا فاترا مفتعلا، هذا لأن آنية الحدث لا تنتقل، تظل حبيسة المشهد نفسه: الألوان، الظلال، الحرارة وأكثر من مئة عامل آخر أسهمت في خلق الحدث. وحتى الذين ضحكوا من رواية الحدث كان ضحكهم مكونا من سبعين في المئة مجاملة وثلاثين في المئة بلادة.

نقل الحدث للآخرين صار أمرا معقدا ومركبا، ولم يعد مجرد جمل وعبارات من كلمات وأفعال مضارعة ومبنيّة للمجهول. صار عندنا واتساب وإنستغرام وسناب شات، عدّد ما شئت من تقنيات تنقل الحدث بالصوت والصورة. ومع هذا نظل نتمنى أن يكون المستمع قد شهد الحدث معنا ونقول عبارات من قبيل “لا بدّ أن تكون معنا لتضحك حقا”.

الفئة الغالبة في مجموعة ناقلي الحدث هي من الذين لا يستطيعون الرواية ولا ترتيب الأفكار ولا حسن البداية وحسن الختام. الروائيون يحسنون نقل الحدث فهذه مهنتهم وهي ما اختاروا أن يكونوا.

من خارج فئة الروائيين أعرف أناسا وددت لو كانوا رواة لا يكتفون بنقل الحدث بشكل واضح، بل يهتمون برصد التفاصيل كذلك. وأذكر أني أعددت تقريرا عن شخصية الملك الراحل عبدالعزيز بن سعود.

قرأت كل ما كتبه عنه غربيون وشرقيون، لكن امرأة أميركية كانت الوحيدة التي لم تغفل أن تذكر الملك كان به عرج خفيف في ساقه اليمنى. وأعرف أيضا فتاة كانت إذا قلت لها شاهدت حادثا مروّعا راحت ضحيته شابة في مقتبل العمر فستقول “وماذا كانت تلبس حين صدمتها السيارة”. هكذا يكون الراوي الحقيقي.

وعرفت رواة بلغوا من كمال القدرة أني لا أتخيل الحدث دونه. على رأس هذه الفئة يقف الجاحظ. فهو يستطيع أن يشغلك بحكاية كاملة عن قاض لا يريد أن يفقد هيبته في مجلس القضاء وقد حطت على أرنبة أنفه ذبابة كسولة، فراح يحاول أن يطردها دون أن يحرك يديه حفاظا على الوقار. وأخذ يحرّك ويقلص عضلات وجهه ليطرد الذبابة فاتخذ وجهه أشكالا كوميدية لا وقار فيها على الإطلاق. والجاحظ يستطيع أن يمسك بالقارئ كل هذا الوقت بين دفتي قصة تافهة يصعب على غيره إضحاك الناس بها على مدى أكثر من عشرة قرون.

24