ذباب "إليوت"

السبت 2015/05/30

في زمن ما، كان أغبر هو الآخر، تلخصت أمنياتي ومن حولي بشربة ماء باردة ونفحة هواء عذبة تجود بها مروّحة سقفية متهالكة لا تتقن فنون الغياب أوالمراوغة.

تكررت هذه الأمنية التي كانت تبدو معقولة إلى حد ما، لتقفز إلى أرض الواقع من بين ركام الإحباطات اليومية المتتالية في زمن الحصار الاقتصادي الذي جثم على قلوب العراقيين سنوات تسعينية طويلة من القرن الماضي، كفاصل قصير، قبل استئناف الحروب.

مرّت سنوات عجاف منذ تلك الأيام التي عقدت فيها علاقة صداقة وثيقة مع الذباب الذي شاطرني جلسات الدرس، في حديقة المنزل الخلفية أواخر شهر يونيو في واحدة من أقسى فصول الصيف العراقي الساخن.

كنت أحاول جاهدة التركيز في أكوام من مراجع الشعر الإنكليزي الحديث دون جدوى، فأي محاولة جادة لتجاهل الواقع الساخن ومحاولة السباحة في المروج الخضر التي تكتظ بها قصائد المرحوم (إليوت) ذات شتاءات لندنية عذبة، كانت تبوء بالفشل في أرض (اليباب). أما تلك القصائد الفريدة والنادرة التي كان يصفها النقّاد في عصره بأن كلا منها حدث في حد ذاته، فكانت عند حسن ظن الشاعر، الذي رحل وتركنا خلف الأحداث في قاعة امتحان رطبة تحولت إلى نهر من العرق والهزائم، حتى دون سترة للنجاة ونحن نردد بفزع النساء و“الرجال الجوف”.. (هكذا ينتهي الكون.. هكذا ينتهي الكون.. ليس بالصيحة المدوّية، وإنما بالأنين).

في ذلك الوقت، كان الأمين العام للأمم المتحدة السيد كوفي عنان -أتذكر هذا الاسم جيدا– يحدق في المشهد الساخن بصورته المستكينة وهي تقفز إلى مخيلتي كلما حاولت الاسترسال في القصيدة، فتصفعني موجة حر دبقة مطعّمة بمذاق ذبابة كسولة تأبى أن تفارق وجهي، إلا عندما يحين موعد نومها. أكلتني الحيرة مرارا تلك الأيام، وأنا أخاطب نفسي: ترى.. هل يعرفنا هذا السيد المبجّل؟ وهل تداعب مخيلته مشاهد الفقر والمعاناة التي يعيشها شعب بأكمله؟ هل يحمل خارطة العالم في ملف أوراقه وهل ما زالت بلادنا في مكانها المعتاد؟

كنت أشك في ذلك، فحين خرج السيد المبجل من منصبه الشرفي -على ما أظن- خالي الوفاض إلا من لعناتنا التي لم نكن نجرؤ على أن نصبها فوق رؤوس قريبة جدا علينا، خشية الموت، لم يكن لديه ما يقدمه لنا إلا (إبداء قلقه) على الأوضاع في العراق، ولم يزد على ذلك شيئا.

هكذا سارت الأمور ومازالت، والصيف لمّا يزل ماردا يقبع على صدور العراقيين عند أول الظمأ. طبعا تغيّر الأمين العام للأمم المتحدة أكثر من مرّة وكل واحد منهم صار يأتي بقيافته الكاملة، ليبدي ما شاء له مزاجه من (قلق) على المعذبين الذين باتوا يقطّرون عرقا وضجرا على دروب الحرب والفاقة.

أيضا تغيّرت الوجوه، حتى استبدل الذباب ملامحي بملامح أخرى ما زالت تجاهد في مذاكرة الامتحانات النهائية في جامعات العراق العديدة، وعلى ما أظن، ما زالت قصائد الشاعر (إليوت) تمارس إرهابها الفكري على البعض الذي يصّر على تجاهل حمم الصيف اللاهبة وإزعاجات الذباب ووقاحة إليوت، وقلة أدب جميع الأمناء على الأمم وغير الأمناء منهم.

الفرق الوحيد الذي حققه تقادم عمر أزمة غياب التيار الكهربائي، أن المواطن العادي صار بإمكانه أن يشتم –إضافة إلى الحر والكهرباء وعنان وإليوت- كل المساهمين الآخرين في تعميق مصائب الناس، ابتداء بالمسؤولين وليس انتهاء بـ (الذباب).

21