ذراعا الموالاة تكرسان تناقضات السلطة في الجزائر

بين كرة الثلج التي أطلقتها التصريحات المثيرة للرجل الأول في حزب جبهة التحرير الوطني الحاكم عمار سعداني، وبين الخطاب المتوازن لزعيم حزب التجمع الوطني الديمقراطي أحمد أويحيى، تكرّست بشكل واضح تناقضات السلطة الجزائرية وازداد الوضع غموضا بشأن الاستحقاقات المفصلية التي تنتظر الجزائر بداية من العام القادم، بعدما تأكد أن معسكر الموالاة لم يعد على قلب رجل واحد، وأن صراعا حاميا يدور بين أطرافه من أجل الاستحواذ على قصر المرادية.
الاثنين 2016/10/10
حكمة تتطلبها المرحلة

الجزائر - تفادى الأمين العام لحزب التجمع الوطني الديمقراطي أحمد أويحيى، الانجرار وراء الجدل القائم حول تصريحات حليفه وغريمه في معسكر الموالاة عمار سعداني، وتمسك بخطاب متوازن يروّج لبرنامج وطموحات القوة السياسية الثانية في الاستحقاقات الانتخابية المقررة العام المقبل، ودافع عمن انتقدهم سعداني بقوة وهم، عبدالعزيز بلخادم، الجنرال توفيق، وأيضا ما يعرفون بضباط فرنسا.

ورفض أحمد أويحيى التعليق على ما ورد في تصريحات سعداني الأخيرة، بالقول “لست معلقا سياسيا أو رياضيا حتى أتحدث في كل مرة عما يصدر على لسان الرجل”، وهي إشارة واضحة من أويحيى، على أن الجناح الثاني للسلطة لا يسير على خط واحد مع الجناح الأول، الأمر الذي يؤشر إلى انفجار قريب في معسكر الموالاة، بعد الانفجار الذي أحدثه قفز حزب حركة مجتمع السلم الإخواني من قارب السلطة عام 2011.

وتظهر التطورات المتسارعة أن التجاذبات الأخيرة ستكون أكثر من مجرد ترتيبات سياسية، لأنها تتعلق بالحسم في هوية الرئيس القادم للبلاد، فإذا أشّر سعداني إلى أن ملفات ضباط فرنسا وجهاز الاستخبارات المنحل ونفوذ الدولة العميقة والمال السياسي، ستكون وقود الحملة الانتخابية القادمة لحزبه، فإن أحمد أويحيى، نفى وجود أي تنسيق أو تحالف بين حزبه وبين تنظيم منتدى رؤساء المؤسسات (تجمع لرجال أعمال مقرب من السلطة)، بغية عدم الكشف عن أوراقه واصطفافاته مبكرا، رغم ما تداول عن مراهنة رجال أعمال التنظيم، على أويحيى ليكون خليفة لبوتفليقة في العام 2019.

وأبدى أويحيى تعاطفا مع خصوم سعداني لما ذكر قائلا “أنا لا أملك مشاعر موسمية، كنت ومازلت أحترم بلخادم وأقدره، وضباط فرنسا ليسوا بالاكتشاف الجديد وهي ورقة تستعمل في المزايدات السياسية، فقد اشتغلوا مع بومدين ومع الشاذلي وساهموا في بناء الجيش الوطني الشعبي، وأن أزمة غرداية مؤامرة داخلية وخارجية”.

ووسط التضامن الذي أبداه البعض من القياديين في جبهة التحرير الوطني مع تصريحات زعيمهم، على غرار عضو المكتب السياسي أبوالفضل بعجي الذي أكد على أن “سعداني لم يتكلم من فراغ وله المعطيات والأدلة، وأن بلخادم لن يعود إلى قيادة جبهة التحرير الوطني”، فإن التصريحات المثيرة ستكون بمثابة كرة الثلج التي لا أحد يتوقع حجمها النهائي ولا مكان استقرارها بالنظر إلى ارتدادات الزلزال السياسي المنتظر في هرم السلطة.

معركة كسر العظم بين أجنحة السلطة الجزائرية من أجل خلافة بوتفليقة وصلت إلى نهايتها

وتحدثت مصادر مقربة من بلخادم، عن أن الرجل تلقى رسالة رفض الرئيس بوتفليقة للاتهامات التي صدرت بحقه وفي حق عائلته، كما تلقى اتصالا من رئيس الوزراء عبدالمالك سلال، أبلغه فيها اعتذاره عما صدر من سلوك عن وزراء الحزب الحاضرين في ندوة سعداني، لما قابلوا اتهامه لعائلته بالعمالة للاستعمار بـ”التصفيق والضحك”، كما رفض الرد بعد ذلك على اتصالات بعضهم من أجل الاعتذار.

وأكد عبدالعزيز بلخادم، في ردوده الأولى، على أن “من يريد التأكد من الماضي التاريخي لعائلتي فليتفضل إلى مسقط رأسه أو لأرشيف وزارة المجاهدين (قدماء المحاربين)، ولن أرد على خطاب القذارة والسفاهة، ولو أن الذي يحز في النفس هو نزول مستوى خطاب الحزب القيادي والتاريخي إلى الحضيض في ظل هذه القيادة التافهة”. وأضاف “لن أنزل إلى مستوى هذا الشخص، لكن جبهة التحرير الوطني في منعرج خطير وعلى المناضلين الشرفاء التحرك لتخليص الحزب من هذه العصبة، فمن غير المعقول أن تغيب الملفات الكبرى والتحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية المحدقة بالبلاد عن أجندة الحزب الحاكم عشية استحقاقات كبيرة، ويوغل الخطاب في القذف وشتم أعراض الناس”.

وتابع بلخادم “هذه العصبة كرست الرداءة في الحزب، والأمّر أن ينخرط البعض ببلاهة وغباء في خطاب متدني المستوى ومثير للفتن”، في إشارة إلى وزراء الحزب ونواب البرلمان الذين كانوا يتفاعلون مع خطاب عمار سعداني، حول ما أسماه بـ”عمالة عائلة بلخادم للاستعمار وتحريض الجنرال توفيق للمواجهات الطائفية والعرقية في غرداية وأحداث الشغب في مدن الجنوب”.

ويرى مراقبون في الجزائر، أن معركة كسر العظم بين أجنحة السلطة قد وصلت إلى نهايتها، وأن الهجوم الشرس لسعداني على خصومه، يعتبر آخر حلقات الصراع على خلافة بوتفليقة في 2019، ففي ظل انزعاج الطبقة السياسية وهرم السلطة، ينتظر أن يلقي سعداني بآخر أوراقه خلال لقاءاته القريبة مع مؤسسات حزبه.

وفيما تحوم الاستفهامات حول مصادر الاستقواء، التي جعلته يتجرأ على توجيه رسائل تضر بالدرجة الأولى بالرئيس عبدالعزيز بوتفليقة نفسه، باعتباره رئيس الحزب ورئيس الجمهورية، فهو رأس السلطة الذي تشتغل تحت قيادته المؤسستين العسكرية والأمنية، وهو الذي يسمّي كوادر الدولة أيضا، فإن البعض من التأويلات تشير إلى استناد سعداني لدعم جهة نافذة في السلطة ترفض هيمنة محيط الرئيس على قصر المرادية وإلى حلفاء في الإليزيه يريدون الانقلاب على بوتفليقة، بعدما صار أمر استمراره في السلطة غير مضمون ومحل تجاذبات داخلية.

4