"ذروة الحياة" ملامسة الأزمة العربية عبر مقاربات روائية

السبت 2015/02/14
عيد عبدالله الناصر: التاريخ علمنا الحذر من ظاهر المشهد

من خلال قراءاته لعشر روايات تنوعت بين المحلية والعربية والعالمية، قدّم الناقد السعودي عيد عبدالله الناصر كتابه الأخير “ذروة الحياة”، عن دار مسعى البحرينية مطلع هذا العام. الكتاب يستعرض روايات مختارة بصورة فنية ونقدية، عبر حوار متخيّل بين الكاتب ومحاوِرِه الافتراضي، الذي يقدح له الأسئلة في مناطق حساسة على المستوى الفني والسياسي والديني والإنساني، متوسلا تقنية وصفها القرّاء بأنها كاسرة لحدة النقد الكلاسيكي الجاف.

أصدر الناصر قبل هذا الكتاب رواية بعنوان “هسهسة التراب”، وكتابا نقديا ناقش من خلاله مجموعة نصوص سعودية مهمة تحت عنوان “أقنعة الخوف”، وله مقالات عديدة في صحف محلية وعربية. وفي كل ذلك يجد المتابعون أن الناصر يبتكر كل مرة طريقة جديدة للذهاب بنصه إلى المتلقي، حيث يحاول دائما أن يبتعد عن المنصة الكتابية الجاهزة في جميع إنتاجاته.

كتاب “ذروة الحياة” تناول قراءة عشرة أعمال روائية تنوّعت على النحو التالي: من السعودية اختار “شارع العطايف” لعبدالله بن بخيت، و”لا تشته امرأة جارك” لمحمد المرزوق، و”زمبوه” لحبيب محمود، ومن الروايات العربية اختار “طيور الجنوب” للعراقية أماني أبوالفضل، و”ساق البامبو” للكويتي سعود السنعوسي، و”اليهودي الحالي” لليمني علي المقري، و”دقّ الطبول” للمصري محمد البساطي، بينما اختار من الروايات العالمية، “نداء البراري” لجاك لندن، و”خزي” لكويتر، و”المسخ” لكافكا.


قراءة حوارية


قد يتساءل المتلقي لهذا الكتاب: ما الذي يجمع بين هذه الروايات، إذ بعضها كتب قبل عشرات السنين، وبعضها الآخر لا يزال طازجا لم يجف حبر طباعته بعد، فالروايات المختارة كانت متنوّعة على المستوى الأيديولوجي والتقني والتاريخي؛ نص كتبه شيوعي في أميركا، وآخر كتبه ليبرالي في السعودية، وثالث كتبه راوٍ من بلد عربي أو أوروبي؟ ويجيب الناصر وفق رؤيته النقدية على هذا السؤال في مقدّمة الكتاب بقوله “هذا الكتاب، هو نتاج لعدة قراءات وكتابات مختلفة لنصوص تحمل أجواء وتجارب وعوالم متباينة، والجامع بينها هو ما شدّني بشكل قويّ لأن أقترب منها وأصاحبها، وأحاول فهم ذلك الجاذب الخفي الذي حرّك بعضا ممّا تخامر في الروح والعقل. ومن إيجابيات هذه الصيغة أن تستحيل الكتابة إلى عمل تجريبي مفتوح للتحولات الذاتية في القراءة والاستقبال والتأويل”.

القراءة الحوارية لعشر روايات هي محتويات الكتاب، بعضها ركّز -حسب ما أشار إليه الناصر- على خطورة الأوضاع الاجتماعية والدينية في الوطن العربي، التي كانت مؤشرا لما تحدثه الطائفية من شرور ودمار فردي وجماعي، والتي تؤشر أيضا إلى أن الحياة المشتركة لشعب واحد دائما ما تكون مهددة بالتمزق في أيّة لحظة لمجرد الاختلاف في المعتقد، حتى وإن كانت هذه الديانات سماوية، بل إن ما تحمله هذه الديانات من مقولات متوارثة تصبح هي الأعلى من كل علاقة أخرى، وكأننا في الأمم التاريخية نعيش نقيض المستقبل. وركّزت قراءات أخرى على المآزق التي يعيشها الإنسان العربي في الخليج بعد الطفرة النفطية وما جلبته من تغيّرات. بينما قدّمت القراءات العالمية مناخا مختلفا تميّز بأهمية الرؤية الفلسفية العميقة في البناء السردي والروائي.

كتاب ذروة الحياة هو نتاج للعديد من القراءات والكتابات المختلفة لنصوص تحمل أجواء وتجارب وعوالم متباينة

عبر عدة مقالات نقدية منشورة اشتغل الناصر على البحث عن أطواق النجاة للأوضاع العربية ولا سيما بعد الربيع العربي، وفي هذا الكتاب سيلمح القارئ محاولات الناقد لملامسة الأزمة العربية المعاصرة عبر مقاربات روائية.

عن ذلك يعلّق الناصر لصحيفة “العرب”: في السنوات الأخيرة صدرت عدة روايات عربية (ورقات من دفتر الخوف، عدو الشمس، البهلوان الذي صار وحشا، أجندة سيد الأهل، انقلاب، إلخ..)، وأغلبها كانت تتحدث عن معاناة الإنسان في ظل الحكومات العربية المتصفة بالتخلف والرجعية والتبعية للأجنبي والعداء لكل أنواع الحرية. هذه الأجواء هي التي شكلت خمائر نائمة للثورة الممكنة، ولكن تكلس واهتراء وتدمير القوى والأحزاب السياسية التاريخية (قومية أو شيوعية أو غيرها) جعل الفرصة سانحة لأن تقوم القوى المتربصة بالأمة باستغلال تلك الظروف والاستفادة منها إلى حدّ كبير.


ما بعد سايكس بيكو


ويضيف “عايشنا هذا الأمر في تونس ومصر وليبيا وسوريا واليمن هذه الأيام. بالنسبة إلى الحل، ليس هناك حل سحري لأوضاع الأمة، ففي السياسة هناك قوى متواجهة، وبقدر ما تمتلك كل قوة من قدرات مادية ومعنوية ومن خطط وأفكار وسرعة في استباق الزمن فهي التي ستشكل صورة المرحلة القادمة. للأسف في ظاهر هذه المرحلة فإن التيار الديني السلفي والمتشدد هو الذي يتسيد الواجهة، ولكن التاريخ علمنا الحذر من ظاهر المشهد، فمن كان يتخيل سرعة الانهيار والذوبان في المعسكر الاشتراكي؟”.

محاولات لملامسة الأزمة العربية المعاصرة

في سؤال لـ”العرب” عن رأيه في الاعتقاد السائد بأن هنالك أيدولوجيات أقفلت دكاكينها منذ وقت مبكر، بينما لا يزال بعض المؤدلجين العرب -من العروبيين والشيوعيين مثلا- يحاولون بعث روحها الميتة من جديد، وتقديم بضائع انتهت صلاحيتها في زمن يديره جيل ثقافي جديد لا يؤمن بهذه الانتماءات.

يجيب الناصر: علينا أن نميز بين التنظيم السياسي وبين الفكرة، فكرة الأمة والعروبة ليست ملكا لحزب أو تنظيم معين، وقد يتلاشى هذا التنظيم أو ينتهي ذاك الحزب، ولكن تبقى ركائز الهوية بارزة لأبناء الأمة. وما يطرحه الجيل الجديد، في أغلبه، ليس بعيدا عمّا كان مطروحا في السابق، ولكن بعض هذا الجيل يطرحه في إطار الحرية الفردية والفكرة الليبرالية، متخيلا أن الطرح وحده سوف يحقق الأماني وهذا أمر غير ممكن. نعم، أعرف أن “أحزاب التواصل الاجتماعي” مزعجة للسلطات ولكنها غير قادرة على خلع الكراسي، حدث ذلك في الصدمة الأولى من الموجة، ولكن بعد ذلك تغيّر الوضع.

عيد عبدالله الناصر مثقف سعودي عروبي من مواليد الستينات في شرق السعودية، عايش أكثر من جيل ثقافي ووضع يده على تحوّلات في الخطاب السياسي والثقافي السعودي والعربي.

وحين توقفنا معه حول استشرافه للمرحلة العربية القادمة، بيّن قائلا: تاريخ الأمس وواقع اليوم، ومتابعة ما يقال وينشر سياسيا وعسكريا واقتصاديا يجعلنا نتلمس كيف ستكون الصورة على المدى المنظور؛ خلال العشرين سنة الماضية برز بشكل واضح التحالف التاريخي بين الغرب الاستعماري وقوى الإسلام السياسي مدعوما بالدول المحيطة بالأرض العربية (إيران، تركيا، إسرائيل، بعض الدول الأفريقية).

تحالف كانت ثمرته احتلال العراق، وزعزعة الأوضاع في سوريا، وتغيير الواقع السياسي في ليبيا ومصر وتونس، إلخ.. وصولا إلى الخليج وشبه الجزيرة العربية (اليمن)، والاتجاه إلى تجزئة المجزأ كهدف استراتيجي، أي أننا سنعيش مرحلة ما بعد سايكس بيكو.

17