ذروة الخلاف داخل منظمة الصحة لا تمنع اتفاق الحد الأدنى

الصراع الأميركي الصيني لا يضعف حظوظ إجراء تقييم مستقل لمواجهة الوباء.
الثلاثاء 2020/05/19
اكتشاف لقاح ضرورة ملحة

وضع الاجتماع الافتراضي لأعضاء منظمة الصحة العالمية كل القضايا الخلافية، خاصة بين الولايات المتحدة والصين، على طاولة النقاش. ورغم تشعّب الصراعات الجيوسياسية بين بكين وواشنطن، فإن دبلوماسيين لا يستبعدون أن يتفق الطرفان اللذان لديهما مواقف متباينة إزاء أداء المنظمة، مع الإجماع العام على إجراء تقييم مستقل على ضوء ما نصت عليه وثيقة تقدمت بها دول الاتحاد الأوروبي.

جنيف - كشف الاجتماع الافتراضي لأعضاء منظمة الصحة العالمية الانقسامات الجيوسياسية بين الدول الأعضاء في مؤتمر عقد بالأساس لبحث الرد الدولي على وباء كورونا.

لكن رغم التصعيد المتبادل بين الصين والولايات المتحدة، فإنه من غير المستبعد أن يتم التوافق في ما يسمى باجتماع الخلافات على حلول لمواجهة وباء كورونا وعلى رأسها الموافقة على إجراء تقييم مستقل.

وانطلقت الاثنين منظمة الصحة العالمية التي تضم 194 دولة عضوا في مباحثات افتراضية للمرة الأولى في تاريخها من أجل بحث الاستجابة الدولية للوباء وسط توتر صيني – أميركي على خلفية الأبحاث لإيجاد لقاح.

ورغم التصعيد المتوتر بين الولايات المتحدة والصين، لا تزال الدول الأعضاء في المنظمة تأمل في أن تعتمد بالتوافق مشروع قرار طويلا قدمه الاتحاد الأوروبي ويطلب إطلاق “عملية تقييم في أسرع وقت ممكن” لدرس الرد الصحي العالمي والإجراءات التي اتخذتها المنظمة في مواجهة فايروس كورونا المستجد.

وفي هذا الاجتماع تم التطرق إلى مختلف القضايا الشائكة والمحفوفة بأجواء مشحونة والمتعلقة أساسا بالتوتر الصيني – الأميركي وقضايا خلافية أخرى بشأن إصلاح المنظمة وقضية تايوان التي تم استبعادها من الاجتماع وأبحاث اللقاحات وقضية منشأ الفايروس مصدر الحرب الكلامية بين الولايات المتحدة والصين.

وافتتحت رئيسة سويسرا الاجتماع السنوي لمنظمة الصحة العالمية في جنيف الاثنين، متعهدة بأن تقدم بلادها “الدعم والتعاون الكاملين لمدير المنظمة فيما تنسق الاستجابة الدولية لجائحة فايروس كورونا”. وقالت الرئيسة سيمونيتا سوماروجا لجمعية الصحة العالمية، وهي هيئة اتخاذ القرار في المنظمة، عبر الإنترنت في إشارة إلى تيدروس أدهانوم جيبريسوس، “بينما تخوض هذه الأزمة، كن على ثقة من أنك تتمتع بالدعم والتعاون الكاملين من سويسرا”. وحثت أعضاء الجمعية وعددهم 194 على العمل معا في التصدي للأزمة.

ومن جهته، انتقد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الدول التي “تجاهلت توصيات منظمة الصحة العالمية” معتبرا أن العالم يدفع اليوم “ثمنا باهظا” لتباين الإستراتيجيات.

وأضاف غوتيريش “نتيجة لذلك، انتشر الفايروس في العالم أجمع ويتجه الآن نحو دول الجنوب حيث يمكن أن يخلف آثارا أكثر تدميرا” داعيا إلى بذل “جهود ضخمة متعددة الأطراف” في مواجهة “هذه المأساة”. وتابع “آمل في أن يكون البحث عن لقاح نقطة الانطلاق إلى ذلك”.

صراع أميركي صيني

أنطونيو غوتيريش: العالم يدفع اليوم ثمنا باهظا لتباين الإستراتيجيات
أنطونيو غوتيريش: العالم يدفع اليوم ثمنا باهظا لتباين الإستراتيجيات

أثيرت خلال الاجتماع الافتراضي في اليوم الأول جل الخلافات السياسية بين الدول الأعضاء من إصلاح منظمة الصحة العالمية وصولا إلى تايوان وأبحاث اللقاحات وإرسال خبراء إلى الصين، لكن مسألة منشأ الفايروس لا تزال النقطة الأساسية في الحرب الكلامية بين الولايات المتحدة والصين.

ومنذ تفشي فايروس كورونا تخوض واشنطن، التي تتهم بكين بأنها أخفت حجم الوباء، مواجهة مع منظمة الصحة العالمية التي شكك الرئيس الأميركي دونالد ترامب في إدارتها للوباء معتبرا أنها انحازت إلى موقف الصين. وعلق المساهمة الأميركية في منظمة الصحة العالمية.

وأكد الرئيس الصيني شي جينبينغ في هذا الصدد أن بلاده تدعم تقييما شاملا للاستجابة العالمية لوباء كوفيد – 19 بعد السيطرة عليه. وقال إنه لطالما “كان للصين موقف منفتح وشفاف ومسؤول” وشاركت المعلومات بشأن الفايروس في وقتها.

وأضاف الرئيس الصيني أن أي لقاح تطوره بلاده ضد فايروس كورونا المستجد سيكون “للمصلحة العالمية العامة” فور بدء استخدامه.

ولدى الصين خمسة لقاحات محتملة في التجارب السريرية، فيما يتسابق العالم للوصول إلى لقاح للقضاء على الفايروس الذي أودى بحياة أكثر من 315 ألف شخص حول العالم.

وتعهد شي أيضا بتقديم ملياري دولار على مدى عامين للمساعدة في الاستجابة لمرض كوفيد – 19، وقال إن أي لقاحات مضادة للمرض تطورها الصين ستصبح منفعة عامة.

وتطالب الولايات المتحدة بإجراء تحقيق في هذا الموضوع على غرار أستراليا، وتشتبهان في أن بكين خلفت حادثا مخبريا قد يكون وراء انتشار الفايروس.

وتتهم الولايات المتحدة الصين الآن بمحاولة قرصنة أبحاث أميركية حول لقاح وسط تنافس أميركي – أوروبي على إنتاج لقاح في المستقبل. وقد هدد الرئيس الأميركي دونالد ترامب “بقطع جميع العلاقات” مع بكين.

وعلاوة على ذلك تعتبر الحكومة الأميركية أن منظمة الصحة العالمية قد أهملت تحذيرا مبكرا صدر من تايوان حول خطورة فايروس كورونا المستجد وهو ما تنفيه وكالة الأمم المتحدة. ودعت الولايات المتحدة، بدعم من بعض الدول منظمة الصحة العالمية إلى دعوة تايوان إلى هذا الاجتماع رغم معارضة الصين.

وأدت قضية تايوان إلى مشاحنات دبلوماسية، حيث تدعم معظم الدول الأفريقية موقف الصين، التي وطدت وضعها كمستثمر رئيسي في القارة.

واستبعدت تايوان عن منظمة الصحة العالمية، والتي كانت تشغل فيها وضع مراقب حتى 2016، سنة وصول تساي إنغ ون إلى السلطة بعدما رفضت الاعتراف بمبدأ وحدة الجزيرة والبر الرئيسي للصين داخل نفس البلد. وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن الدول الأعضاء فقط يعود إليها قرار قبول تايوان أم لا.

وقبيل افتتاح الاجتماع، قال وزير الخارجية التايواني جوزف وو إن تايوان وافقت على إرجاء هذا النقاش، لكي تتركز المباحثات على كيفية مواجهة الوباء.

تقييم شامل

دعا وزراء الصحة في الدول الأعضاء بمنظمة الصحة العالمية إلى إعادة القيام بتقييم شامل حول الوضع الوبائي في العالم، والذي بقي محل جدل واسع وتناقضات في التقييمات من دولة إلى أخرى.

وأعلن رئيس منظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم جيبريسوس في المؤتمر السنوي للمنظمة أنه سوف يطلق مراجعة لاستجابة المنظمة لجائحة فايروس كورونا.

 وقال “سوف أطلق تقييما مستقلا في أقرب وقت ممكن”، وذلك في رد فعل على مقترح أدخلته الدول من مختلف مناطق العالم بما في ذلك الاتحاد الأوروبي.

 غير أن تيدروس قال إن المراجعة لن تركز على منظمة الصحة العالمية فحسب، ولكن أيضا يجب أن تغطي استجابة كل العناصر الدولية للجائحة.

وقال دبلوماسيون من جمعية الصحة العالمية، وهي هيئة صنع القرار في المنظمة، إنه من المتوقع أن تتفق الولايات المتحدة والصين، رغم تباين مواقفهما إزاء أداء المنظمة، مع الإجماع العام على إجراء تقييم مستقل خلال اجتماع افتراضي للمجلس.

شي جينبينغ: الصين تدعم تقييما شاملا للاستجابة العالمية لمكافحة الوباء
شي جينبينغ: الصين تدعم تقييما شاملا للاستجابة العالمية لمكافحة الوباء

وتقدم الدعوة من خلال قرار يقدمه الاتحاد الأوروبي في الاجتماعات التي تستمر يومين للمنظمة ومقرها جنيف. ويدعو النص كذلك إلى الحصول العادل وفي الوقت المناسب على أساليب تشخيص وعلاجات وأمصال آمنة وفعالة لمكافحة المرض الذي أودى بحياة أكثر من 300 ألف شخص على مستوى العالم.

وقال دبلوماسي أوروبي “يبدو أن القرار سيحظى بالموافقة. من الناحية السياسية هناك اتفاق حتى الآن على تقييم النظام بكامله والتحقيق في منشأ (الفايروس) ولكن ليس على الفور”. وأضاف “من المهم أن نتمكن من الموافقة على القرار”.

وتدعم قرار الاتحاد الأوروبي مجموعة من الدول، منها أستراليا وهي منتقد عنيف للمنظمة وللصين، بالإضافة إلى بريطانيا وكندا والهند واليابان وروسيا.

وأظهرت الأسماء الواردة في مسودة للقرار تأييد 116 دولة، من 194 دولة عضوا في المنظمة، للقرار.

ويدعو القرار تيدروس أدهانوم جيبريسوس المدير العام لمنظمة الصحة العالمية إلى بدء “تقييم محايد ومستقل وشامل” لاستجابة المنظمة المنسقة لكوفيد – 19 بما في ذلك مدى فاعلية الآليات القائمة “في أقرب وقت ممكن”.

ويؤيد القرار العمل المستمر بما في ذلك “البعثات الميدانية” العلمية لتحديد المصدر الحيواني للفايروس وكيفية انتقاله عبر السلالات إلى البشر.

ولا يشير قرار الاتحاد الأوروبي إلى الصين. وتقول المنظمة وأغلب الخبراء إن الفايروس يعتقد أنه ظهر في سوق يبيع الحيوانات في مدينة ووهان في وسط الصين خلال أواخر العام الماضي.

وقال وزير الخارجية الأميريكي مايك بومبيو هذا الشهر “هناك الكثير من الأدلة” على أن الفايروس جاء من معمل في ووهان وهو ما تنفيه الصين.

6