ذكرى الجمهورية.. استحقاقات التاريخ ومطبات التوظيف

الجمعة 2017/07/28

في السياسة تتعدد الرؤى والقراءات لمختلف المحطات التاريخية الفارقة في حياة الشعوب والأمم. فالأعياد الوطنية تخضع بدورها لمنطق تتعدد وجهات النظر فيه رغم الشعار الوطني الجامع لكل الأطياف الاجتماعية المختلفة، فيغدو التوظيف والاستثمار والاستغلال من البديهيات التي تكتسب شرعيتها وتحمل في ذاتها وسائل تبريرها.

ذكرى إعلان الجمهورية في تونس الذي تم في الـ25 من يوليو 1957 بعيد الحصول على الاستقلال، مثل محطة هامة في تاريخ تونس الحديث. الذكرى الستون لم تكن كغيرها لا من حيث طريقة الاحتفال بها، ولا من حيث الأطراف المشاركة في الاحتفال، ولا من حيث الأحداث والرسائل المشفّرة والمقروءة التي نضحت عنها.

أمور ثلاثة لا بد من الوقوف عندها بإسهاب وهي؛ قراءة الاستثمار السياسي والتوظيف الحزبي للحدث، وعقد صلة بين ذكرى إعلان الجمهورية واغتيال الشهيد محمد البراهمي ومن ورائه الاغتيال السياسي في تونس، ثم استنطاق مظاهر الاحتفال الشعبي بالحدث.

قراءة معمّقة للاحتفال بالذكرى الستين والسادسة بعد الثورة، تحيل على تاريخين، يمتد أولهما من الاستقلال وإلى غاية يناير 2011 تاريخ الثورة. أما الثاني فيمثل تاريخ ما اصطلح على تسميته بـ“الجمهورية الثانية”. هذا التقسيم التاريخي منهجي للفصل بين نظامين من الحكم بكل ما فيهما من إيجابيات وسلبيات، نظام شمولي قام على الشخص الواحد والحزب الواحد، ونظام ناشئ يحاول أن يتأسس على درب الديمقراطية.

كل التوجّهات السياسية على اختلاف مرجعياتها الفكرية وتوجهاتها الأيديولوجية، تشترك في أن إعلان الجمهورية وإرساء دعائم الدولة بمفهومها الحداثي الليبرالي، إرث بورقيبي وليست هناك مزايدات في هذا التوجه، ولكن الاختلاف الذي وصل في بعض الحقب التاريخية إلى حد التناقض الصارخ والإقصاء، كانت مردّه قراءة هذا الإرث وكيفية التعامل معه.

أولا: البورقيبيون والأحزاب الدستورية وبعض الأحزاب ذات التوجه الليبرالي ترى في ذكرى إعلان الجمهورية منطلقا لثوابتها السياسية، وتعتبر أن المرحلة الراهنة من تاريخ تونس ليست إلا امتدادا لمفاهيم الدولة البورقيبية والفلسفة التي قامت على أساسها، ولذلك سعت إلى استثمار الحدث من هذه الزاوية.

حركة نداء وتونس ومشروع تونس وتونس أولا وآفاق تونس، وغيرها من الأحزاب التي تستند في توجهاتها العامة على الإرث البورقيبي ترى في نفسها “وصية” على الذكرى و“أحق” من غيرها من الاحتفال بها، وفي هذا الإطار كان لرئيس الجمهورية وأعضاء الحكومة والشخصيات الحزبية حضور لافت لم يخلُ من الاحتفالية والتوسيم (توسيم رئيس الحكومة السابق الحبيب الصيد)، في موكب يشي في ظاهره بالتمسك بالوحدة الوطنية والنهج الديمقراطي كسبيل لتجذير قيم الجمهورية والالتزام بها كخيار استراتيجي للممارسة السياسية.

ولكن الأمر أيضا لا يخلو من استثمار لهذا الإرث الذي يعتز به كل التونسيين، في إطار الصراع السياسي، لغايات حزبية تستوجبها المحطات السياسية القادمة وربما أبرزها الانتخابات البلدية.

أما تيارات الإسلام السياسي والمتمثلة بحركة النهضة فقد كانت تاريخيا ترفض الإرث البورقيبي ولا تعترف به في سياق أيديولوجي عام يرى في الحبيب بورقيبة وإنجازاته ذات الطابع الليبرالي تعديا على الإرث الديني الإسلامي لتونس، وتحاكم أفكاره وفق منطق المرجعية الدينية التي ترفض- خاصة في وقت مضى- الانخراط في لعبة العولمة وتوابعها.

الشيخ راشد الغنوشي كان من بين المحتفلين، ويقود ذلك إلى عدة استنتاجات يصعب التكهن بصحتها أو خطئها. هل يوحي ذلك بأن الغنوشي ومن ورائه قياديو النهضة يسعون إلى توطيد عرى التحالف الحاكـم الـذي يجمعهم بشركـائهـم الليبراليـين في السلطـة وعلى رأسهم حركة نـداء تونس؟ أم هناك مراجعات فعلية حصلت في أدبيات النهضة جعلتها “تتصالح” مع الإرث الحضاري لتونس الحديثـة بما في ذلـك الإرث البـورقيبي؟ أم هو مجرد بروتوكول سياسي فرضه التحالف؟

مهما يكن المقصد فإن حضور رموز النهضة في الاحتفال بعيد الجمهورية يكسبه بعض الخصوصية من جهة الإيحاء بإمكانية التعايش بين الأحزاب ذات التوجه الليبرالي وأحزاب الإسلام السياسي. أو هو تسويق لنسخة من “الإسلام الديمقراطي” والتي أصبحت رائجة في توجّهات الإسلام السياسي عموما.

ثانيا: تاريخ إعلان الجمهورية هو نفسه تاريخ اغتيال الناشط السياسي وأمين عام حزب التيار الشعبي ذي التوجه العروبي القومي محمد البراهمي. ذكرى أليمة سعى مرتكبو جريمة الاغتيال إلى ربطها بذكرى تأسيس النظام الجمهوري الذي مثّل بلا شك المفصل الحقيقي في التاريخ الحديث لتونس. التيار الشعبي ينضوي تحت لواء تكتل اليسار تحت مسمى الجبهة الشعبية والتي عرفت بمعارضتها الشرسة للسلطة الحاكمة بشقيها الليبرالي والديني.

الخصوصية تأتت من الإعلان عن تدشين ساحة أطلقت عليها تسمية “ساحة الشهيد محمد البراهمي”، في حركة يراد من ورائها تثمين التضحيات في سبيل إرساء دعائم الديمقراطية الناشئة من ناحية، ورفض كل أصناف العنف السياسي وعلى رأسها الاغتيال السياسي.

أرملة الشهيد البراهمي والنائبة عن الجبهة الشعبية مباركة البراهمي صرّحت بأنه لا معنى للاحتفال دون السعي الجاد إلى الكشف عن ملابسات الجريمة، وتقديم كل المشاركين فيها دعما وتخطيطا وتنفيذا إلى العدالة ليقفل الملف بصفة نهائية.

وهذا الموقف تتبناه الجبهة الشعبية أيضا في ما يخص اغتيال شكري بلعيد. فتعامل هذا الشق من المعارضة مع الذكرى تركّز أساسا على تذكير الحكومة بواجبها في كشف جرائم الاغتيال، مع أن أدبياته تتبنى الحداثة وتدافع عن النظام الجمهوري بأبعاده الفكرية مع تأكيد الاختلاف الأيديولوجي طبعا.

ثالثا: البعد الاجتماعي والشعبي للاحتفال بالذكرى لم يظهر بصفة جلية في خضم المشهد السياسي المتقلب وغير المستقر، مع أنه لا يمكن الحديث عن نظام جمهوري ديمقراطي إلا إذا تعمّق الوعي الشعبي بمتطلبات هذا النظام. قد نفهم من ذلك بعضا من العزوف عن المشاركة الشعبية في مثل هذه المناسبات لأنها أصبحت تفهم على أنها محطات سياسية بامتياز تقع قولبتها وفق الأهداف الحزبية الضيّقة.

رغم بعض الخصوصية التي شهدها الاحتفال بعيد الجمهورية في ذكراه الستين في تونس إلا أن الذكرى لم تستعد ألقها وإشعاعها كحافز ملهم لبناء الديمقراطية الحديثة، وربما عزوف الشرائح الاجتماعية عن فهم واستيعاب المغزى الوطني للذكرى هو أبرز ما ميّزها، وفي ذلك دعوة لجميع الأحـزاب والناشطـين في الحقل السيـاسي أنه لا نجاح لأي عملية وطنية من دون مشاركة فاعلة لكل الشرائح الاجتماعية على اختلاف مشاربها الفكرية والعقائدية والأيديولوجية.

كاتب تونسي

9