ذكرى الزعيم العاطفي

الأحد 2014/03/30

في الثلاثين من مارس من كل عام، تتوقف ساعة الزمن، ثم تعود إلى الوراء، فإذا بالميت حي، وإذا بالقلوب تنبض له بكل الحب.

صورته تغطي الشاشات وتحتلّ أغلفة المجلّات الفنية، وسيرته تسترجع عطرها مع سرد ذكرياته التي تكشف لنا في كل عام شيئا كان خافيا عنّا، هو العندليب عبدالحليم حافظ، ذلك الذي ولد من رحم المعاناة، وترعرع في أحضان الوجع، وشبّ على هدير الثورة، وتبلورت تجربته بين الرغبة والحرمان والأمل والانكسارات.

عبد الحليم حافظ الراحل منذ 37 عاما لا يحتاج إلى أن يدفع مالا لمجلة كي تضع صورته على غلافها، ولا إلى احتكار نفسه في “روتانا” كي تنتشر أغانيه، ولا إلى الرقص على الركح أو تصنيع فضيحة حتى يهتم به الناس، وإنما هو هكذا، إرث للناس يسترزقون من ورائه، وشريك للعشاق في قصص حبهم، ينام في عيون البنات وفي قلوبهم، يدغدغ أحلام المجانين، ويلملم جراح الحزانى، ويذكي في قلوب الملايين حب الوطن والثورة والناس.

البعض لا يزال يبحث في سرّ العندليب وفي حالته الاستثنائية، وفي هذا اللغز الذي يتجاوز الزمان والمكان ليحرس فرادته الدائمة.

وبعد طول بحث، قد يصل إلى أن عبد الحليم كان ذا خاصيتين: الصدق والألم، وهما ميزتان ما اجتمعتا واندمجتا وتوحّدتا في إنسان إلا وحوّلتاه إلى قدّيس، ومنحتاه جناحين من ضوء، ثم ارتفعتا به إلى الأعلى لتبنيا له عشّا بين النجوم.

والألم عند حليم بدأ من اليتم والحرمان وتدعّم بالمرض وتعملق بالحرمان وجنّح بانكسارات الوطن، أمّا الصدق فكان في التعبير عن هذا الألم بذلك الحزن الفصيح البليغ الذي أزهر في صوته وعينيه وأثمر أغاني وأناشيد ومواقف.

يبقى أن القدر عندما أراد لحليم كل ذلك الوجع والبريق، وضعه في دائرة الكبار فكان قريبا من عمالقة الزمن الجميل: كمال الطويل، وبليغ حمدي، وصلاح جاهين، وكامل الشناوي، وجمال عبدالناصر، ومحمد عبدالوهاب، وسعاد حسني، ومحمد حسنين هيكل، وعبدالرحمان الأبنودي، ونزار قباني، وأحمد بهاءالدين وغيرهم.

واليوم بعد 37 عاما من رحيله، لا يزال عبدالحليم حافظ مترجما لمشاعر العشاق، معبّرا عن طموحات الثوّار، مزروعا في قلوب الجماهير العربية، منتصرا لنفسه، مرتفعا فوق التاريخ، ولا يزال عبدالحليم زعيما عاطفيا، وزعيما وطنيا، وزعيما قوميا، وأعظم الزعامات تلك التي تنطلق من عنفوان الحب، وتطير بجناجي الألم والصدق.

24