ذكرى النكبة وأحداث غزة.. انتفاضة يقودها الشباب بروح مختلفة

الفلسطينيون يحييون الذكرى السبعين للنكبة بتوديع جنازات العشرات من الفلسطينيين في الوقت الذي يحتفل فيه مسؤولون أميركيون وإسرائيليون بلحظة "تاريخية" داخل المقر الجديد للسفارة الأميركية، في القدس المحتلة.
الأربعاء 2018/05/16
دفاع عن الهوية

غزة - في الذكرى السبعين للنكبة، خرج الفلسطينيون في قطاع غزة، وأيضا في مختلف المدن الفلسطينية، لإحياء هذه الذكرى وأيضا لتوديع جنازات العشرات من الفلسطينيين في قطاع غزة الذين لقوا حتفهم برصاص الجيش الإسرائيلي على حدود القطاع المحتل، في الوقت الذي احتفل فيه مسؤولون أميركيون وإسرائيليون بلحظة “تاريخية” داخل المقر الجديد للسفارة الأميركية، في القدس المحتلة.

واندلعت مواجهات جديدة الثلاثاء في مواقع متفرقة من الضفة الغربية عقب مسيرات نظمت إحياء للذكرى الـ70 للنكبة، أبرزها على مدخل مدينتي رام الله والبيرة الشمالي (وسط)، وفي بلدات بدرس والنبي صالح غربي رام الله، وعلى المدخل الشمالي لمدينة بيت لحم (جنوب)، وفي حي باب الزاوية وسط مدينة الخليل (جنوب).

وبينما واصلت آلة القتل الإسرائيلية استهداف الفلسطينيين، حتى الأطفال والرضع منهم، عقد مجلس الأمن الدولي جلسة وسط قلق دولي، وإدانة عربية، الظروف في صالحها هذه المرة أكثر من أي وقت لتقليص الدور الأميركي في قضية السلام في الشرق الأوسط، وسط وجود قوى أخرى، مثل روسيا، تطرح نفسها وسيطة سلام.

ارتفعت مستويات الغضب في الأراضي الفلسطينية كما في العالمين العربي والإسلامي جراء المذبحة التي ارتكبها جنود الاحتلال الإسرائيلي ضد المتظاهرين الفلسطينيين العزل على الحدود الفاصلة بين إسرائيل وقطاع غزة. وفيما تواصلت المظاهرات الثلاثاء، كان يوم الاثنين الأكثر دموية في النزاع الإسرائيلي الفلسطيني منذ الحرب التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة في صيف 2014، ضمن تطور يكاد يرتقي إلى انتفاضة جديدة، ولكنها انتفاضة مختلفة عما سبقها.

ولا تزال الأسرة الدولية تعتبر القدس الشرقية أرضا محتلة وأن من غير المفترض إقامة سفارات في المدينة طالما لم يتم البت في وضعها عبر التفاوض بين الجانبين المعنيين. ورغم أن ردود الفعل العربية والدولية لم تختلف كثيرا عن ردود الفعل في مناسبات سابقة مماثلة، إلا أن التطورات تشي بأن إسرائيل والولايات المتحدة خسرتا الكثير هذه المرة، ولم تكن حساباتهما ضابطة كما في السابق، حيث الشرق الأوسط متغير وحتى الحلفاء بات لديهم حلفاء آخرون يمكن أن يصنعوا الفارق.

ورأى مراقبون غربيون أن استخدام الرصاص الحي ضد المتظاهرين العزل عمل مقصود أرادت منه إسرائيل فرض مسألة نقل السفارة الأميركية إلى القدس بالدم. وأضاف هؤلاء أن تقارير صحافية ومتخصصة غربية أكدت أن المسيرات الفلسطينية التي تحيي ذكرى النكبة وتحتج على افتتاح واشنطن لسفارتها في القدس لا تشكل أي خطر يستدعي استخدام القوة المفرطة ضد المدنيين.

وأعلنت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان أن أي فلسطيني يتظاهر في غزة يمكن أن يتعرض لـ”القتل” برصاص الجيش الإسرائيلي سواء شكل تهديدا أم لم يشكل. وصرح روبرت كولفيل، أحد المتحدثين باسم المفوضية، أمام صحافيين في جنيف بأن “الاقتراب من سياج لا يشكل عملا قاتلا أو خطرا على الحياة وليس مبررا للتعرض لإطلاق النار”. وتابع كولفيل قائلا إن “أي شخص معرض على ما يبدو للقتل” مضيفا أن القوانين الدولية التي تشمل إسرائيل تنص بوضوح على أنه “لا يمكن استخدام القوة القاتلة إلا كخيار أخير وليس كخيار أول”.

وتنتهج إدارة الرئيس دونالد ترامب سياسة غير حكيمة تؤدي إلى رفع مستوى الاستفزاز والاحتقان في منطقة الشرق الأوسط. واتفق أغلب المتابعين على أن التعجيل بنقل السفارة الأميركية إلى القدس أمر غير مبرر بالمعنى السياسي وجاء مجانيا لصالح إسرائيل دون أن تلوح أي علامات على نجاح واشنطن في انتزاع تنازلات من حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للدفع بالتسوية أو بصفقة القرن الموعودة.

ومقابل حمام الدم في غزة نقل المراسلون مشاهدات من داخل السفارة الأميركية في القدس حيث فرض حولها طوق أمني مشدد على نحو لا يوحي بالأحداث العنيفة التي يشهدها قطاع غزة. وحده صهر الرئيس الأميركي ومستشاره جاريد كوشنر، الذي حضر المراسم مع زوجته إيفانكا ترامب، ألمح على ما يبدو إلى الأحداث عندما قال “الذين يتسببون بأعمال العنف هم جزء من المشكلة وليسوا (جزءا من) الحل”.

من جهته أشاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بنقل السفارة معتبرا أنه “يوم عظيم لإسرائيل”. وتثير المبادرة الأميركية الأحادية الجانب غضب الفلسطينيين إذ تشكل تكريسا للموقف المنحاز بشكل واضح حسب رأيهم إلى الجانب الإسرائيلي، وهو الموقف الذي يتبناه ترامب منذ توليه منصبه في 2017، وتجاهل لمطالبهم حول القدس.

الرد على العنف الإسرائيلي

تعمل القيادة الفلسطينية على التوجه إلى كل المجموعة الدولية من أجل الرد على العنف الإسرائيلي الذي يتعرض له الفلسطينيون. وأجرت اتصالات مع المجموعة العربية ودول منظمة التعاون الإسلامي كما مع عواصم أوروبية عديدة لترتيب موقف دولي جامع يمثل رد فعل واسعا ضد المناورة الثنائية الأميركية الإسرائيلية التي تهدد الاستقرار في كافة أرجاء المنطقة كما توفر زادا جديدا للجماعات الإرهابية. وأدان الاتحاد الأفريقي بشدة استخدام الجيش الإسرائيلي القوة المفرطة ضد المتظاهرين السلميين في قطاع غزة المشاركين في مسيرة “العودة وكسر الحصار”.

وقال رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، موسى فكي، في بيان الثلاثاء، إن الاتحاد “يدين بشدة استخدام الجيش الإسرائيلي القوة المفرطة بحق المتظاهرين السلميين في قطاع غزة”. وأضاف أن الاتحاد الأفريقي “يعرب عن قلقه البالغ إزاء الأوضاع الراهنة في الأراضي الفلسطينية في أعقاب نقل سفارة الولايات المتحدة في إسرائيل إلى القدس”.

الرئيس الأميركي دونالد ترامب أشعل عود ثقاب في القدس حيث اندلعت النيران لكنه لا يمتلك خطة لإطفاء هذه النيران

واعتبر أن نقل سفارة الولايات المتحدة إلى القدس “سيزيد من حدة التوترات في المنطقة ويعقد عملية البحث عن حل دائم للصراع الإسرائيلي الفلسطيني”. وحذّر قيادي فلسطيني، الثلاثاء، من أن استخدام الجيش الإسرائيلي القوة المفرطة، في قمع المسيرات السلمية في قطاع غزة، قد يحرفها عن مسارها وسلميتها.

وقال محمود العالول، نائب القائد العام لحركة فتح، في مؤتمر صحافي عقده في مقر مفوضية الإعلام والثقافة لحركة فتح، في مدينة رام الله إن هناك إجماعا فلسطينيا على “خيار المقاومة الشعبية السلمية في هذه المرحلة”. وأضاف مستدركا “لكن الردود الإسرائيلية العنيفة وحجم القتل، ربما يجعلاننا غير قادرين على الحفاظ على سلمية المسيرات”.

ودفع سفك الدماء دولا مثل فرنسا وبريطانيا إلى المطالبة بضبط النفس ولاقى انتقادات أشد من قبل دول أخرى اعتبرته “مذبحة”. ودعت فرنسا وبريطانيا إسرائيل إلى ضبط النفس وعبر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش عن “القلق الشديد” بشأن الأحداث في غزة، قائلا إنها تظهر الحاجة إلى التوصل لتسوية سياسية على أساس حل الدولتين.

ومضت منظمة العفو الدولية إلى حد اتهام إسرائيل بارتكاب “جرائم حرب”، بينما دعا الاتحاد الأوروبي إلى ضبط النفس. وقال دبلوماسيون بالأمم المتحدة إن الولايات المتحدة عرقلت الاثنين مسودة بيان لمجلس الأمن الدولي أعدتها الكويت وتعبر عن “الغضب والأسى إزاء مقتل مدنيين فلسطينيين” وتدعو إلى تحقيق مستقل ويتسم بالشفافية.

ورفض البيت الأبيض الانضمام إلى إدانة إسرائيل. وبدلا من دعوتها لضبط النفس، ألقت واشنطن اللوم على حركة حماس، في تأييد لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي وصف تصرفات الجيش الإسرائيلي بأنها دفاع عن النفس على الحدود.

ترامب المسؤول

سجل المراقبون الأوروبيون رد فعل واحدا من كافة دول الاتحاد الأوروبي في إدانة أعمال القتل التي تمارسها إسرائيل ضد الفلسطينيين دون أي رادع دولي. ويقول هؤلاء إن الموقف الأميركي لطالما منح إسرائيل ضوءا أخضر ورعاية كاملة وحماية داخل مجلس الأمن الدولي لممارسة أقسى أنواع العنف، إلا أن قرار ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية إليها شجعا إسرائيل على الإجهار باحتقارها لكل المجموعة الدولية من خلال عمليات قمع دولية تجري على مرأى من العالم أجمع.

ونشرت صحيفة الغارديان مقالا لراشيل شابي اعتبرت فيه أن ترامب أشعل عود ثقاب في القدس حيث اندلعت النيران، لكنه في الوقت نفسه لا يمتلك خطة لإطفاء هذه النيران، مشيرة إلى أن أولى النتائج هي مقتل العشرات من الفلسطينيين خلال الساعات الماضية.

وفي ذات السابق ذهبت صحيفة الإندبندنت، في مقال لدونالد ماكنتاير، من حي الزيتون في قطاع غزة حمل عنوان “سفارة تفتح أبوابها في القدس وقتلى يسقطون في أعنف أيام غزة منذ سنوات”. ويقول ماكنتاير إن ما حدث في يوم يعتبره الفلسطينيون الذكرى السبعين للنكبة يكشف لنا إلى أي حد تبعدنا سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن حل أكبر صراع في العالم. وأضاف أن “ارتفاع عدد القتلى إلى هذا العدد أمر يجعلنا نسخر من ترامب الذي أكد أكثر من مرة أنه يرغب في حل سلمي للصراع، لكنه أقدم على فعلته هذه وسط إدانات واعتراض دولي واسع لم يبال به الرجل”.

ترامب أشعل عود ثقاب في القدس
ترامب أشعل عود ثقاب في القدس

ونشرت الإندبندنت أيضا مقالا لرمزي بارود، يشير فيه إلى أن النكبة ليست مجرد تاريخ يتم إحياء ذكراه في 15 مايو، إنها أكثر شمولا من مجرد حدث واحد، مهما كان مأساويا، إنها تمثل الحياة التي حرم منها الملايين من الفلسطينيين ظلما، وكل يوم بعدها أصبح يمثل حياة الفقر والمنفى والحاجة. ويفيد بارود بأن “النكبة أصبحت جزءا من الهوية الجمعية للفلسطينيين كلهم، وهي الآن محفورة في ضمير كل فلسطيني، لدرجة أنه يصعب تخيل مستقبل للسلام ما لم يتم التعامل مع الجريمة الأصلية بشكل عادل”.

بهجمتها «النيرونية» على الفلسطينيين على حدود غزة في ذكرى النكبة أحرقت إسرائيل نفسها، وقدّمت، بالمقابل، فرصة للعرب وللمجتمع الدولي لا ليتكلّموا فحسب، فهم تكلّموا على مدى أكثر من سبعين عاما وإنما ليتحرّكوا، ويكسروا الجمود.

والمشهد الدموي الذي واكب الاحتفالات بافتتاح السفارة الأميركية في القدس سيبقى في ذاكرة الفلسطينيين كما الأميركيين علامة فارقة على الانحياز الأميركي الذي بدأ يتعرض لانتقادات واسعة ليس من قبل حلفاء الولايات المتحدة بل حتى من قبل اليهود الأميركيين والذين باتوا يعتبرون أن موقف إدارة ترامب ليس مساعدا للسلم بل مشجع للتطرف لدى الطبقة الحاكمة في إسرائيل ومحبط لكل دعاة التسوية داخل إسرائيل نفسها.

اقرأ أيضا:

السلام المراوغ يزداد صعوبة بنقل السفارة وضحايا غزة

القوة الشعبية تغطي مؤقتا على الفشل السياسي الفلسطيني

من "النكبة"… إلى النكبات

6