ذكرى ستالينغراد: قد تخسر روسيا معركة، لكنها ستربح في النهاية

احتفلت روسيا بالذكرى الخامسة والسبعين لانتصارها في معركة ستالينغراد للتأكيد بانها قد تخسر معركة أو اثنتين لكنها في النهاية ستربح الحرب، وهكذا يفكر بوتين بخسارة الحرب الباردة مع الغرب ليربح الحرب في عالم ما بعد أميركا. وتعد معركة ستالينغراد ملحمة الملاحم ونقطة التحول التي غيّرت معالم الحرب العالمية الثانية، ووضعت بداية النهاية لدحر جيوش ألمانيا النازية إذ خسرت فيها ألمانيا وحلفاؤها 1.5 مليون جندي بين قتيل وجريح وأسير، أي ربع تعداد القوات الألمانية المقاتلة على الجبهة الروسية الألمانية.
السبت 2018/02/03
خسارة الحرب الباردة مع الغرب وربح الحرب في عالم ما بعد أميركا

فولغوغراد (روسيا) - احتفلت روسيا الجمعة بالذكرى الخامسة والسبعين للنصر السوفييتي في معركة ستالينغراد التي شكلت تحولا كبيرا في الحرب العالمية الثانية، وباتت رمزا للفخر المستعاد والوطنية التي يريد تجسيدها فلاديمير بوتين خلال حملته لولاية رئاسية رابعة.

وأشاد الرئيس الروسي الذي وصل إلى فولغوغراد، الاسم الحالي لستالينغراد، أمام قدامى المقاتلين “بأكبر معركة في الحرب العالمية الثانية انتصر فيها جيشنا، شعبنا”. وأضاف “هنا برهن شعبنا عن شيمة لا تتزعزع… من هناك انطلقت الطريق التي أفضت إلى إنزال هزيمة ماحقة بالعدو”.

وفيما بلغ التوتر بين الروس والبلدان الغربية أوجه منذ الحرب الباردة، أكد الرئيس الروسي أن “المدافعين عن ستالينغراد تركوا لنا إرثا عظيما: حب الوطن، عزيمة الذود عن مصالحه واستقلاله والتصدي بما لدينا من قوة في وجه شتى المحن”.

وسبق استعراض عسكري في الفترة الصباحية وصول الرئيس الروسي إلى فولغوغراد.

وشهد الآلاف من السكان الذين التفوا بثياب سميكة اتقاء للبرد، وبينهم عدد كبير من الأطفال، العرض الذي شارك فيه 1500 جندي بزي عسكري حديث أو يعود إلى تلك الفترة، ودبابات منها الدبابة الأسطورية تي-34، أحد رموز النصر على ألمانيا النازية، والعشرات من الطائرات.

استذكار الشهداء

قالت فيكتورين ريباكوفا (31 عاما) التي تشارك الجمعة في حفل موسيقي تكريما لقدامى المحاربين في فولغوغراد، إن الاحتفال بهذا الانتصار يعني “في نظر كل منا تعبيرا عن امتناننا لأننا على قيد الحياة اليوم، ولأن لنا مستقبلا”.

الميدان الذي حسمت فيه الحرب العالمية الثانية

غيرت تلك المعركة التي تعد من أكثر المعارك دموية في التاريخ (1943-1942) إذ سقط فيها حوالي مليوني قتيل من الطرفين، مجرى الحرب في الاتحاد السوفييتي الذي كانت معنوياته منهارة حتى ذلك الحين من جراء تعرضه لعدد كبير من الهزائم الساحقة. ويمجدها الروس باعتبارها الحدث الذي أنقذ أوروبا من النازية.

وأكد المحلل السياسي قنسطنطين كالاتشيف أن “الوطنية في روسيا باتت عمليا أيديولوجية الدولة”. وفيما العلاقات بين موسكو والغرب في أدنى مستوياتها منذ الحرب الباردة، تحتاج السلطات الروسية إلى “رموز” مثل معركة ستالينغراد “لتعزيز صورة بلد قادر على تحقيق إنجازات وقهر جميع أعدائه عاجلا أم آجلا”. والذكرى الخامسة والسبعون لهذا الحدث الكبير في الحرب العالمية الثانية، تأتي هذه السنة في خضم حملة الانتخابات الرئاسية المقررة في 18 مارس.

ويزيد فلاديمير بوتين من تنقلاته لعقد لقاءات يومية تقريبا مع عمال أو طلبة. وهو زار في 18 يناير سان بطرسبورغ بمناسبة الذكرى الخامسة والسبعين لفك الحصار عن لينينغراد.

وأسفر حصار لينينغراد – التي تغير اسمها إلى سان بطرسبرغ – واستمر حوالي 900 يوم من 1941 إلى 1943، عما بين 600 ألف و1.5 مليون قتيل، وفق مختلف التقديرات.

الاستسلام الأول للجيش النازي

في مدينة فولغوغراد التي يبلغ عدد سكانها مليون نسمة على ضفاف الفولغا، وضع الرئيس الروسي زهورا على تلة ماماييف كورغان الاستراتيجية التي شهدت معارك رهيبة بين القوات السوفييتية والنازيين، وتضم اليوم نصبا تذكاريا وتمثالا يبلغ ارتفاعه 85 مترا.

واستمرت معركة ستالينغراد التي اندلعت في يوليو 1942، مئتي يوم وليلة كانت المدينة خلالها مسرحا لعمليات قصف جوي ألمانية شرسة وحرب شوارع اتسمت بعنف غير مسبوق.

وفي الثاني من فبراير 1943، استسلمت قوات الماريشال الألماني فريدريش فون باولوس، بعد أن حاصرها الجيش الأحمر، وهذا الاستسلام كان الأول للجيش النازي منذ بداية الحرب.

ستالينغراد التي أعيد بناؤها بالكامل بناء على أوامر السلطات السوفييتية، استعاد اسم فولغوغراد في 1961، بعد ثماني سنوات على وفاة جوزيف ستالين. ومنذ 2013، وبناء على قرار للنواب المحليين، تستعيد المدينة اسم ستالينغراد ست مرات في السنة، خصوصا في الثاني من فبراير، في ذكرى الانتصار في معركة ستالينغراد، وفي 9 مايو حين تحتفل روسيا بالانتصار على ألمانيا النازية.

وتعرضت مدينة ستالينغراد السوفيتية قبل 75 عاما لأعنف غارة جوية شنتها قاذفات وطائرات ألمانيا النازية التي قتلت خلال ثلاث ساعات أكثر من 40 ألف مدني.

ويجمع المؤرخون العسكريون على أن الحمم التي ألقت بها طائرات هتلر على المدينة الروسية، فاقت تلك التي ألقتها طائرات الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا مجتمعة على مدينة دريزدن الألمانية انتقاما لقصف لندن وحريقها المدمر الذي أزهق أرواح 25 ألف مدني.

فقد سبق قصف النازيين ستالينغراد، وصول القوات الألمانية إلى المحور المؤدي إليها لحصارها واجتياحها، لما كان لذلك من أهمية بالنسبة إلى جيش هتلر في عزل القوقاز عن باقي الاتحاد السوفييتي وقطع طرق إمداد الجيش الأحمر من هناك بالنفط الأذربيجاني وشلّ دباباته وعرباته وطائراته.

ملحمة ستالينغراد: أبطال ومآثر
نشرت وزارة الدفاع الروسية على موقعها مجموعة من الوثائق الأرشيفية الفريدة، وذلك بمناسبة الذكرى الـ75 لهزيمة القوات النازية الألمانية في معركة ستالينغراد إبان الحرب الوطنية العظمى.

وتتضمن المجموعة التي نشرت تحت عنوان “ملحمة ستالينغراد: أبطال ومآثر” وثائق تظهر بسالة المدافعين عن ستالينغراد في إحدى أعظم معارك الحرب وأشرسها، حيث بلغت خسائر الجيش الأحمر خلال الدفاع عن المدينة وتحريرها نحو 1,13 مليون جندي، في حين خسرت القوات الألمانية وحلفاؤها أكثر من 1,5 مليون عسكري.

ومن الوثائق المعروضة أوراق خاصة بمنح رجال الجيش الأحمر لقب بطل الاتحاد السوفييتي، وهو أرفع وسام في البلاد آنذاك، تتضمن وصف مآثرهم القتالية دفاعا عن المدينة الاستراتيجية على ضفاف نهر الفولغا.

ومن بين هؤلاء الأبطال، العريف ياكوف بافلوف الذي صمد مع بضعة جنود لمدة شهرين أمام هجمات شرسة لم تتوقف، في مبنى عرف لاحقا بـ”بيت بافلوف”، وهو موقع عسكري هام منع تقدم القوات النازية نحو النهر؛ وهناك أيضا وثيقة تخص القناص الملازم فاسيلي زايتسيف، الذي قضى على 225 نازيا خلال شهرين ونيف من قتال الشوارع في ستالينغراد.

وتضم الوثائق أيضا نسخا من الجريدة الحربية “من أجل دحر العدو”، التي كانت تصدرها الفرقة الـ13 خلال الأشهر الستة من أشرس المعارك في ستالينغراد. كما نشرت الدفاع الروسية النص الخطي للبلاغ الذي أرسله الجنرال قنسطنطين روكوسوفيكي، قائد جبهة “دونسكوي” للقوات السوفيتية في ستالينغراد، إلى مقر القيادة العامة، يفيد بأسر قائد الجيش السادس الألماني المهزوم المشير فريدريخ باولوس.

كانت تترقب ستالينغراد زحفا بريا تشنه قوات هتلر، وتأخرت في إجلاء مئات الآلاف من السكان الذين باغتتهم طائرات هتلر في تمام الرابعة من بعد الظهر ودمرت ما دمرت، وقتلت من قتلت. وفيما كانت المدينة تضمد جراحها وتدفن ضحاياها، وصل فيلق الدبابات الـ14 الألماني إلى مشارفها، واصطفت دباباته على بضعة كيلومترات شمالا، لكن أهالي ستالينغراد، والقوات السوفيتية المرابطة فيها فضلوا المقاومة على الاستسلام، بل كانت الدبابات التي تصنع في المدينة، تخرج من مصنعها مباشرة إلى الجبهة لمنازلة العدو وخوض أول الاختبارات والمعارك.

أضخم القاذفات الألمانية

استخدمت قوات هتلر، لغزو ستالينغراد، أضخم قاذفاتها وأكثر ما كان لديها من القنابل تدميرا، وأهمها المحشوة بالفوسفور الحارق الذي لا يمكن إطفاؤه.

وورد في إحدى النشرات التي دونتها بلدية المدينة لتوثيق الغارة “البيوت تحترق، والمباني السكنية والحكومية تتهاوى، كما تعلو ألسنة اللهب من مباني المدارس والمعاهد والمسارح وغيرها من المواقع.

المدينة صارت جحيما مستعرا، وفرق الإطفاء وقوات الدفاع الجوي تفعل كل ما في وسعها. الجميع مستمرون في إنقاذ المنكوبين وإزالة الأنقاض، فيما لا تزال القنابل تتساقط على المدينة التي غطى الدخان الأسود سماءها وأصبحت الرؤية فيها شبه معدومة.

مركز المدينة ملتهب، والنار تلتهمه بلا رحمة، كما تهب ريح غير مسبوقة على المدينة تنقل النار بين أرجائها، ويبدو لنا أن السماء سوف تلتهب من الأفق إلى الأفق”.

نشرة البلدية، لم تشر إلى الحريق الهائل الذي اندلع في نهر الفولغا المتربعة ستالينغراد على ضفافه، حيث أدى القصف بالقنابل الحارقة إلى اشتعال مستودعات ضخمة للوقود، المخزن فيها قبل نقله إلى الجبهة.

أطنان من المحروقات الملتهبة سالت إلى النهر ولم تنطفئ بفعل الماء، بل أخذت تشعل السفن التي كانت راسية على الضفة بما فيها من وقود هي الأخرى. إحدى المدافعات عن المدينة، والتي كتبت لها الحياة بعد أن شاهدت “جهنم” حسب وصفها، دونت في مذكراتها “اللهب كان يرتفع من الأرض ويلتف على شكل أعمدة تنفث الدخان الأسود من داخلها. أعمدة النار هذه تتنقل وتسير، ومن ثم تتهاوى إلى النهر لتلعق مياهه وتلتهمها على طول خط عريض يغطي الفولغا”.

تعرضت مدينة ستالينغراد لأعتى عاصفة نارية تشهدها البشرية، إذ ما من مفر للإنسان من الموت في ما يطلق عليه العلماء “عاصفة النار” التي تتشكل بفعل الحرائق الضخمة، ولا سيما تلك المفتعلة على غرار قنابل هتلر الفوسفورية. فالبعيد عن عواصف النار، يموت خنقا من نقص الأوكسجين، إذ تسحب النار الهواء من الجو، والأقرب إلى العاصفة يسحبه تيار الهواء إلى بوتقتها.

الحريق والدمار اللذان أتيا على ستالينغراد قبل 75 عاما، وأزهقا أرواح 40 ألف نسمة من أهلها الـ400 ألف، لم يرغماها هي ولا قوات الجيش الأحمر على الاستسلام، بل صمدت وجعلت شوارعها وأنقاضها قبورا لغزاة النازية الذين راهنوا على النصر ودحر الجيش الأحمر وقصم ظهر موسكو في ستالينغراد.

لكن الانتصار الذي حققه الجيش الأحمر في ستالينغراد، قصم ظهر هتلر وجيشه، وبه بدأ الزحف السوفييتي إلى أوروبا الشرقية لتحريرها من النازيين والانقضاض منها على ما تبقى من فلول هتلر وحلفائهم في ألمانيا.

7