ذكرى سورية جميلة

الجمعة 2013/09/06

تُعد مدينة دمشق أقدم عاصمة في العالم، وطالما سمعت عن جماليات ومعالم أبواب مدينة "الشام القديمة"، ومبانيها التاريخية، ولم أحظَ بفرصة مشاهدة تلك المنطقة التاريخية، إلا منذ بضع سنوات لتلبية دعوة من أصدقاء أعزاء هناك، وتحتوي المنطقة على سبع بوابات تاريخية متواصلة مع سور دمشق التاريخي، أهمها باب توما وباب شرقي وباب السلام، تعود جميعها في الأصل إلى العهد الروماني، ثم تم تجديدها في العصر الأيوبي إبان الحروب الصليبية، أما الحارات والأزقة الداخلية القديمة، فتحتوي على مبان ومعالم عريقة تعكس الإبداع المعماري الدمشقي القديم.

في أحد الأزقة الضيقة القريبة من الجامع الأموي لاحظت بعض السياح الغربيين يجلسون في مقهى خارجي صغير جدا ويدخنون الأرجيلة، فكان مشهد الأرجيلة مغريا، فجلست بالقرب منهم لتجربة "الشيشة" الدمشقية، وبعد تبادل التحية سألتهم عن سبب الجلوس في هذا المكان الضيق على الرغم من أن الحارات في دمشق القديمة تحتوي على عشرات المطاعم والمقاهي والنُزل التراثية الجميلة، فقالوا: "نحن تعمّدنا الجلوس في هذا المكان القريب من الجامع الأموي لنستمع إلى صوت الآذان"! استغربت قولهم وتساءلت "وما المميز في آذان الجامع الأموي؟"، أجابوا "يبدو أنك سائح مثلنا، انتظر قليلا، سيحين قريبا آذان العصر".

عندما رفع مؤذن الجامع الأموي الآذان، لاحظتُ مدى استمتاع السياح الغربيين بسماع الأداء الرائع للمؤذن، وأسلوبه الإنشادي العالي الذوق والتهذيب، فكان صوته عذبا رقيقا ينساب بسهولة في أعماق النفوس، كأنه نغمات موسيقى هادئة، تعزف ألحانا جميلة، ثم فوجئت بصوت آخر لمجموعة كورالية جميلة تردد خلف المؤذن كلمات الآذان على أنساق وأوزان إنشادية مختلفة تُشعر المستمع باتصال والتقاء الذهن مع الروح. بعد انتهاء الآذان عزمت على الدخول إلى الجامع عند صلاة المغرب للاستماع مجددا إلى الآذان الجميل من الداخل، وكان الجامع مزدحما بعدد كبير من السياح من جنسيات مختلفة، وعندما حان موعد الآذان تكرر الإنشاد الجميل ومجموعة كورالية محترفة تردد خلف المؤذن العجوز الذي رغم بوادر الشيخوخة البادية على وجهه لايزال يحتفظ بصوت شجي وندي رائع بكل معنى الكلمة، أبهر السياح، وازداد انبهارهم بصوت الإمام وهو يقرأ القرآن أثناء أداء الصلاة بصوت في غاية العذوبة.

في الحقيقة، ما شاهدته في الجامع الأموي عبارة عن انعكاس لثقافة مجتمع يعتز بأصالته الجميلة.. لله درك يا دمشق الجميلة.

24