ذكرى يناير تمر بسلام في غياب الساسة وعزوف المصريين

مر يوم ذكرى 25 يناير كيوم عادي، حيث غابت فيه الاحتفالات كما الاحتجاجات، ما يعكس حالة الإجهاد التي بلغها المصريون، وفتور النخبة السياسية التي أبانت عن عجز كبير خلال الست سنوات الماضية.
الخميس 2017/01/26
ما محبة إلا بعد عداوة

القاهرة - للمرة الأولى منذ اندلاعها في العام 2011، مرت الأربعاء، الذكرى السادسة لثورة 25 يناير المصرية دون احتجاجات شعبية ولا احتفالات، حيث شهدت العديد من المدن هدوءا واضحا، وخلت الشوارع من أي تجمعات، فيما خففت قوات الشرطة من تعزيزاتها الأمنية التي كانت تتبع في هذا اليوم من كل عام.

ولكن على المستوى الرسمي، احتفلت الدولة المصرية بالذكرى وعيد الشرطة معا، حيث يتزامن الإثنان في نفس التوقيت، وحضر الرئيس عبدالفتاح السيسي احتفال الشرطة المصرية بعيدها الخامس والستين، الثلاثاء، فيما ألقى الأربعاء كلمة مقتضبة هنأ فيها الشعب المصري بعيد الثورة السادس.

هذه الأجواء طرحت العديد من التساؤلات حول مستقبل الحياة السياسية في مصر، ومدى قدرة القوى المختلفة والجماهير على النزول إلى الشارع مرة أخرى، ومدى تأثير الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الصعبة على انشغال المواطنين عن الأوضاع السياسية.

مراقبون رأوا أن الحكومة نجحت في خيارها “الصبر الاستراتيجي”، الذي يقوم على الرهان على تقبل المواطنين للأوضاع الحالية، انتظارا لحدوث إصلاحات اجتماعية واقتصادية أولا، قبل التفكير في التحول الديمقراطي، وإتاحة المزيد من الحريات، وهو تعبير استخدمه الرئيس عبدالفتاح السيسي صراحة من قبل.

وعاد الرئيس فعبر عن تلك الاستراتيجية بصورة غير مباشرة، خلال كلمته الأربعاء، فقال “إن المصريين استطاعوا أن يحافظوا على بلادهم من الخراب والتدمير، وشرعوا في إصلاح الأوضاع الاقتصادية بشجاعة، متحملين كافة الصعاب، دون أن تنال من عزمهم أو تقلل من تصميمهم”، وأكد أنه يثق تماما في أن التاريخ سينصف هذا الجيل من المصريين، الذي تحمل خلال السنوات الماضية ما يفوق طاقة البشر.

وتطرق السيسي أيضا إلى المشكلات التي تواجهها الدولة المصرية خلال الفترة الحالية، والتي قد تعد أهم أسباب عدم إقبال المصريين على النزول إلى الشارع، وشدد على أن قوات الجيش والشرطة مستمرة في مواجهة الإرهاب حتى اقتلاعه من جذوره، وأنه يتم العمل على تحسين بيئة الاستثمار المحلي والأجنبي، وتحقيق الدولة الوطنية الراسخة.

سعيد صادق: الأحزاب السياسية غارقة في مشكلاتها ولم يعد لها تأثير في الشارع

حالة العزوف الجماهيري هذه، سوف تؤثر بالتأكيد – حسب المراقبين- على مستقبل الحياة السياسية، التي تعرضت لنوع من النكسة، حيث انخفض انشغال المواطنين العاديين بالأوضاع السياسية إلى معدلات تقترب لما كان عليه الأمر قبل ثورة يناير.

وقال سعيد صادق، أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأميركية بالقاهرة، في تصريحات لـ“العرب”، إن خيار “الصبر الاستراتيجي” أتى بثماره خلال عهود سياسية كثيرة، كان آخرها في عهد الرئيس حسني مبارك الذي استمر ثلاثين عاما، دون أن يثور أحد على هيمنة الحزب الوطني على الحياة السياسية، وكذلك فإن هذا الخيار جرى استغلاله بصورة أكبر، في دول عربية أخرى.

وما يساعد الحكومة المصرية على تنفيذ استراتيجيتها، عدم وجود آليات قوية تسمح بالتحرك ضدها، إذ أن الأحزاب السياسية غارقة في مشكلاتها، ولم يعد لها تأثير في الشارع، وتحديدا بعد أن فشل نوابها بالبرلمان في إصلاح الأوضاع الحالية، أو اتخاذ أي مواقف قوية في مجابهة تحالف الأغلبية.

والبعض من تلك الأحزاب المصرية اكتفى في الذكرى السادسة، بإصدار بيانات تتحدث عن أهمية ما أحدثته الثورة من فتح لآفاق الحرية، والتأكيد على تضحيات قوات الشرطة في مواجهة الإرهاب، فيما نظم البعض الآخر فعاليات صغيرة داخل مقرات الأحزاب، وتعللوا في ذلك بأنهم غير قادرين على تحمل عبء حماية من سيدعونهم إلى النزول، وهو أمر غير مضمون في ظل قانون التظاهر.

أما بالنسبة إلى جماعة الإخوان في مصر، فإنها لأول مرة منذ 6 سنوات، لم تعلن عن أي حشد لما كانت تسميه “فعاليات ذكرى الثورة”، على ضوء فشل العديد من الدعوات السابقة التي أعلنتها، والتي أظهرت ضعف التنظيم داخليا في الحشد، والذي كان آخره الدعوات إلى النزول يوم 11 نوفمبر الماضي، فيما عرف حينها باسم “ثورة الغلابة” التي فشلت في مهدها.

الجماعة تعاني من انقسام حاد شطرها إلى نصفين؛ الأول يؤيد فكرة الضغط الشعبي والحشد بمسيرات وتظاهرات لتحقيق الأهداف، والثاني يعتبر أن طريق العنف هو الأنسب، وتكمن الخطورة في تولي الفريق الأخير زمام الأمور، بعدما أطاح الشباب بالقيادات القديمة من التنظيم، ونصبوا أنفسهم كقيادات للجماعة، وهو ما قد يؤثر على فعاليتها على مدار سنوات طويلة مقبلة.

وكان لافتا أن العاصمة القاهرة وعددا من المدن المصرية الأخرى، شهدت سمة جديدة هذا العام، تمثلت في غياب العمليات الإرهابية، والتي كانت الأبرز في الذكرى الخامسة العام الماضي، فيما استغل العديد من المواطنين حصولهم على إجازة رسمية في هذا اليوم من أجل التنزه في الأماكن العامة.

متابعون فسروا تلك الحالة بالإجهاد الذي أصاب المواطنين بعد 6 سنوات من عدم استقرار الأوضاع الأمنية والاقتصادية.

وربط جمال أسعد، المحلل السياسي وعضو البرلمان سابقا، بين فشل دعوات سابقة للنزول إلى الشارع وبين حالة الصمت الحالية في ذكرى الثورة، وأشار إلى أن مجيء تلك الدعوات من الخارج، وعدم تفاعل الجماهير معها، تسببا في خيبة أمل كبيرة للمعارضة، سواء العلمانية أو الإسلامية.

بعد آخر ذهب إليه بعض المراقبين، هو عدم وجود قيادة حزبية أو سياسية للثورة، إذ أنها كانت بالأساس عملا جماهيريا شاركت فيه النخبة لإثبات الوجود، ثم تحولت في مرحلة ما بعد مبارك إلى رغبة في جني الثمار، وتقسيم كعكة الحكم، الأمر الذي تسبب في فشلها، وبالتالي فإن وجود الدعم السياسي للثورة اختفى تدريجيا على مدار السنوات الماضية.

2