ذكريات ألمانية

الأحد 2015/11/01

عام 1991، الزمان 8 ديسمبر، المكان صحيفة “الإيجيبشيان غازيت” التي توليت رئاسة تحريرها حديثا، كنا نحتفل بمرور 100 عام على إنشائها. دخل مكتبي المستشار الإعلامي الألماني يورغن تشيلسر..

من المقابلة الأولى شعرت أننا أصدقاء، مر اليوم 24 عاما على صداقتنا ومازلنا على عهدنا، جاء ليدعوني لألمانيا مع مجموعة من أكبر الصحفيين المصريين للاحتفال بمرور عام على توحيد الألمانيتين.

كان المطلوب من كل صحفي أن يكتب رغبة واحدة ويتم تجميع الرغبات ويحذف التكرار. رغبت أن أقابل أيّ مسؤول حكومي على المعاش، تشوقي كان لمعرفة الحياة بعد الستين في بلد الرفاهية، وهل يعاني المسنون هناك كما نعاني نحن؟

المهم سافرنا إلى عدة مدن، بعضها بالطائرة والأخرى بالسيارة، تنقلنا بين برلين وهامبورغ وميونيخ وفرانكفورت ودرسدن وكولن، جدول الزيارة تضمن 4 لقاءات يوميا تنتهي في الثالثة ظهرا أو الخامسة عصرا، وبعدها راحة، ثم العشاء وسهرة، حيث يبدأ اليوم الجديد في الثامنة صباحا.

مرت الأيام العشرة للزيارة سريعا، وفي إحداها قال لي المرافق إنني سأحقق رغبتي في لقاء مع متقاعد، كان الرجل سفيرا وأخبرونا أن الغداء في منزله مع أسرته، تصورت أننا سنقضي اليوم في فيلا أو قصر بالريف، لكني وجدت الرجل يسكن في شقة من 3 حجرات أقل من البسيطة.

الأثاث تجد أفخم منه لدى أيّ أسرة مصرية، كانت السفرة منضدة واحدة يجلس عليها 6 أفراد فقط، والباقي في مقاعد الصالون الصغير، سألته عن معاش تقاعده، فقال إنه حوالي أربعة آلاف مارك في التسعينات، وهو رقم كان كبيرا وقتها، يعني ببساطة مليونير بأرقامنا المصرية، لماذا إذن أثاث الشقة متواضع جدا!

الشقة بالإيجار، ويسدد لها حوالي ألف مارك.. نهضنا للغداء، كانت الساعة حوالي 5 مساء، وكنا نتضور جوعا ونمني النفس باللحوم والدجاج والسلاطات..

صدمنا عندما كان الطبق الأول شريحة خبز عليها “لحسة” جبن، أحد زملائنا قال “دا فاتح شهية.. وستنهمر عليكم طحينة وطرشي وسمبوسة وحواوشي..”

كان الطبق الرئيسي فاهيتا دجاج وقطعة بطاطس، وللدقة ثلاث ملاعق شاي من فاهيتا الدجاج، في مصر لا يكفوا ساندوتش.. “أمال فين الكباب والمحشي والحمام”، سأل الزملاء بعضهم.

فهم المضيف أننا نتكلم عن باقي الطعام، فدعانا إلى البلكونة لتناول الشاي والقهوة وبعده الحلو، “تفتكروا كان إيه”؟

ثلاث حبات فراولة بالعدد و”لحسة” أيس كريم..

في الطريق للفندق طلبنا من السائق التوقف أمام أقرب محل ساندوتشات، واشترى كل منا ثلاث ساندوتشات شاورما تركي مع مياه غازية.. وسألتهم “هل لو قدم هذا الأكل لكم في منزل وزير مصري حتعملوا إيه؟”.. ردوا في نفس واحد “كنا فضحناه”!.

وهذا هو الفرق بيننا وبينهم، هم يأكلون ليعيشوا، لكن نحن نعيش لنأكل.. لذلك هم ألمان ونحن مصريون!

24