ذكريات عن زمن المخرج خيري بشارة

الأحد 2017/12/10
خيري بشارة.. ابن جيل الاهتمام برصد الواقع

صدمتني كثيرا الطريقة الفظة التي تعامل بها الممثل حسين فهمي مع المخرج الكبير خيري بشارة في حفلي افتتاح وختام مهرجان القاهرة السينمائي الـ39 الذي اعتذرت عن عدم حضوره واكتفيت بمشاهدة الحفلين عبر شاشة التلفزيون.

في الحفل الأول سخر حسين فهمي وتهكّم وهو يقف على خشبة المسرح، باعتباره رئيسا للجنة التحكيم الدولية، على خيري بشارة وهو يصعد إلى المنصة كأحد أعضاء لجنة التحكيم التي يرأسها فهمي. والسبب أن حسين فهمي الذي يحرص على إبراز نجوميته واستعراض أناقته بارتداء البذلة “الإسموكن” السوداء وربطة العنق “البابيونية”، لا يعجبه أن يظهر خيري بشارة مرتديا ملابس غير رسمية مثله إلى الحفل الذي يمنح أيّ أجنبي انطباعا زائفا عن مصر، فلا الناس في مصر يشبهون ناس المهرجان، ولا المصريون والمصريات يمتلكون أصلا مثل هذه الملابس بالغة البذخ. ولذلك بدا خيري في أنظار فهمي كما لو كان يصفع الجميع بهذا الشكل “الاحتجاجي”.

كان يمكن أن يمرّ الأمر دون أن يلفت الأنظار لولا أن حسين فهمي انبرى يقول إنه عندما كان رئيسا لهذا المهرجان لم يكن يسمح لخيري بشارة بالدخول بسبب ملبسه. وقد قابل خيري هذا التهكم المصاغ في أسلوب المداعبة الثقيلة بهدوء تام. ولكن الموقف تكرّر بصورة أسوأ كثيرا أثناء حفل الختام عندما صعد خيري بشارة إلى المنصة فبادره حسين فهمي بأنه لا يجب أن يتوقع أن يتجه إليه لكي يقبّله كما فعل مع الذين سبقوه من أعضاء لجنة التحكيم، ثم أشار في سخرية واضحة إلى أن خيري -على الأقل- “يرتدي هذه المرة سترة!”.

لمحت وجه خيري بشارة وهو يحدّق في الممثل الذي توقف عن التمثيل بعد أن فقد المخرجون اهتمامهم به، ولسان حاله يقول “أنت تعرف أنني أستطيع أن أرد عليك وأحرجك.. لكني لن أفعل لأنني أحترم المقام وأحترم الحضور!”.

كان المشهد كله مثيرا للدهشة والعجب، فما الذي يجعل حسين فهمي وهو في السابعة والسبعين، يعتقد أنه مسموح له بهذا النوع من المزاح الثقيل المهين الذي يشذّ عن جميع الأعراف أمام كاميرات التلفزيون وضيوف المهرجان؟

خيري خلال تصوير أحد أفلامه في الشارع

جيل التجديد

خيري بشارة هو أحد أهم مخرجي الجيل المجدد في السينما المصرية الذي يطلق عليه بعض النقاد “جيل الواقعية الجديدة”، جنبا إلى جنب مع عاطف الطيب ومحمد خان ورأفت الميهي وعلي بدرخان وداود عبدالسيد ويسري نصرالله. وربما يكون خيري أكثرهم جميعا جموحا في موهبته وجرأته في مجال “التجريب” من داخل الأطر السينمائية التي تهتم بالحبكة والحكاية ذات الدلالات الرمزية.

تخرّج خيري في معهد السينما في عام الهزيمة الكبرى 1967 ثم ذهب في بعثة دراسية إلى بولندا، وهناك تتلمذ على أيدي كبار السينمائيين البولنديين وعلى الأخص المخرج أندريه مونك الذي كان عميدا لمعهد لودز السينمائي الشهير حيث درس خيري، كما عمل مساعدا للمخرج البولندي الكبير يرزي كافاليروفيتش. وعاصر خيري بشارة عددا من أبرز السينمائيين البولنديين مثل أندريه فايدا ويرجي سكوليموفسكي وكريشتوف زانوسي وغيرهم.

كان هذا عصر ظهور وازدهار الموجة النقدية في سينمات أوروبا الشرقية وخاصة في تشيكوسلوفاكيا والمجر ويوغسلافيا وبولندا. فقد كان السينمائيون الشباب يسعون إلى استغلال موسم “ذوبان الجليد”، كما أطلق عليه الكاتب السوفييتي إيليا أهرنبورغ، إلى أقصى مداه، وكان النقد يتخذ أحيانا طابعا مجازيا مستترا مستفيدا من ازدهار حركة الأدب، وأحيانا أخرى كان يتخذ طابعا مباشرا فلم يكن كثير من السينمائيين يترددون في المجازفة بتوجيه نقد مباشر للحزب الشيوعي كما فعل كارولي ماك في المجر ويان نيمتش وميلوش فورمان في تشيكوسلوفاكيا.

وقع خيري في غرام الثقافة البولندية كما وقع في غرام مونيكا البولندية الحسناء ليتزوجها وتنتقل معه إلى مصر حيث عاشا في غرفة بشقة والديه في حيّ شبرا الشعبي وتحمّلت هي شظف العيش وتقلّبات خيري وأهواءه، وتمكنت منذ وقت مبكر من إجادة اللهجة المصرية. وقضى خيري بعد ذلك سنوات في البحث عن شقة لائقة، وتعرض لكثير من النصب والاحتيال وكان المال القليل ينفد منه ليبدأ البحث من جديد، وله في ذلك قصص وحكايات، إلى أن وفّق في العثور على شقة جيدة في حي هادئ لكنه استغرق سنوات في إعدادها ثم الانتقال إليها، لذلك كنت دائما أتندر بالقول إن قصة خيري في البحث عن مسكن يجب أن تتحول إلى فيلم بعنوان “مغامرة الرجل والمفتاح!”.

عندما عاد خيري بشارة كانت مصر تشهد ازدهارا كبيرا في مجال السينما والثقافة السينمائية، كنت شاهدا عليه وأنا في مقتبل الشباب، ويمكنني القول إنها ذروة لم تعرفها مصر، لا من قبل ولا من بعد. كانت مؤسسة السينما قد بدأت في الانفتاح على جيل المخرجين الشباب من خرجي معهد السينما، وكانت جماعة السينما الجديدة قد تكونت وانضم إليها خيري مع مجموعة كبيرة من أبناء جيله من السينمائيين والنقاد.

خيري ومونيكا.. زواج ممتد

وكانت الدولة تنظم أسابيع الأفلام الأجنبية لتعرض نماذج متقدمة من “السينما الأخرى” الفنية، وكانت جمعية الفيلم في أوج نشاطها، ثم كان هناك صرح كبير قد نشأ هو “نادي سينما القاهرة” الذي كان يضم في وقت ما خمسة آلاف عضو. وكان العرض الرئيسي للنادي يتم يوم الأربعاء في دار سينما أوبرا في قلب القاهرة التي أصبحت منذ أكثر من ثلاثين عاما مغلقة.

نادي السينما

أمام سينما أوبرا كنا نلتقي بالكثير من المثقفين والمفكرين مثل محمود أمين العالم ولطفي الخولي والشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي والناقد فاروق عبدالقادر والدكتور لويس عوض، وغيرهم. كان خيري بشارة يتولّى تقديم الأفلام البولندية التي كانت تعرض في نادي السينما، وكان يكتب دراسات تفصيلية عنها في نشرة النادي التي تعتبر مجلة حقيقية للسينما، وكانت تقع في 32 صفحة مخصصة لتحليل الأفلام تحليلا علميا وتاريخيا بديعا، وعلى صفحاتها برز الكثير من النقاد: سامي السلاموني وسمير فريد وفتحي فرج وهاشم النحاس وأحمد رأفت بهجت، وولد جيل جديد أيضا منهم يسري نصرالله ومحمد القليوبي (اللذان اتجها فيما بعد للإخراج). وكان من الكتاب الجدد الذين ظهروا وقتها فايز غالي الذي سيصبح في ما بعد كاتبا للسيناريو

ويكتب لخيري بشارة فيلمه الثاني “العوامة 70” (1982) ثم فيلم “يوم حلو ويوم مر” (1988). ولكن هناك اتفاق على أن أفضل أفلام خيري هو “الطوق والإسورة” (1986) عن رواية يحي الطاهر عبدالله فهو تحفة فنية حقيقية.

من النقد السينمائي انتقل خيري إلى السينما التسجيلية وبدا لسنوات أنه قد كرّس نفسه للأبد مخرجا تسجيليا مثل هاشم النحاس ونبيهة لطفي وفؤاد التهامي. وقد تعرّفت عليه للمرة الأولى عام 1974 بعد أن كتبت مقالا عن فيلمه التسجيلي الشهير “صائد الدبابات”. كانت مصر قد عبرت حرب أكتوبر 1973 وحقق الجيش المصري أداء مشهودا، والتقط خيري بنظرته الخاصة الدقيقة شخصية جندي مصري فلاح من الشرقية يدعى محمد عبدالعاطي كان قد استطاع أن يدمر وحده 23 دبابة إسرائيلية وأصبح أسطورة في الصحافة المصرية.

طبيب في الأرياف

لا أتذكر بالضبط أين نشر مقالي عن فيلم “صائد الدبابات” ولكني أتذكر أنه كان مقالا إيجابيا يشيد بالفيلم ومستواه الفني. وكانت هناك في ذلك الوقت الكثير من النشرات السينمائية التي تصدر عن جمعية الفيلم أقدم تجمع لهواة السينما في مصر، والمركز الفني للصور المرئية في مقره الشهير وعروضه الأسبوعية، ونادي سينما القاهرة، إلى جانب النشرات التي كانت تواكب عروض الأفلام في المراكز الثقافية الأجنبية وعلى الأخص المركز التشيكي والسوفييتي والألماني (غوتة) وكان الأخير ولا يزال الأكثر نشاطا بين المراكز الثقافية لبلدان أوروبا الغربية.

كنت وقتها مازلت أدرس الطب، ولكني كنت أيضا قد أسست ناديا سينمائيا في الكلية عام 1973 كان له دور كبير في عرض نماذج بارزة من السينما الفنية. وكنت سببا في التعارف الذي تم بين خيري وزميلي خليل فاضل، فبعد أن تخرج خليل وذهب للعمل في الريف ذهب خيري لزيارته وهناك كتب ثم صوّر فيلمه التسجيلي “طبيب في الأرياف”.

امتدت صداقتي مع خيري بشارة من 1974 حتى الآن دون أن تشوبها شائبة، رغم أننا لم نلتق منذ سنوات فقد أصبح هو ينتقل بين الولايات المتحدة، حيث يقيم ابنه وابنته، ومصر حيث أصبح يكتفي بإخراج المسلسلات التلفزيونية من حين إلى آخر، بعد أن توقف عن إخراج الأفلام عمليا منذ فيلمه “إشارة مرور” (1994).

لكنه أقدم على تجربة شجاعة عندما أخرج فيلم “ليلة القمر” (2010) بالكاميرا الرقمية كما فعل محمد خان في تجربة فيلمه “كليفتي”، وإن كان الفيلم لم يعرض ولم تتح لي فرصة مشاهدته بكل أسف. فهل تخلّت السينما عن خيري رغم موهبته الكبيرة التي لا شك فيها، أم تخلّى هو عنها بعد أن ضاقت الفرص الحقيقية وخيّم الواقع الخانق على كل شيء؟

"الطوق والإسورة" أفضل أفلام خيري بشارة

كان خيري كما عرفته جامحا في أفكاره رغم هدوئه الظاهري، كما كانت تسيطر عليه في فترة ما هواجس المرض والاهتمام الشديد بما يحدث داخل جسم الإنسان. وأتذكر أنه كثيرا ما كان يستوقفني في الطريق وأنا في طريقي إلى “جمعية النقاد” أو إلى الندوة الأسبوعية لـ”جماعة السينمائيين التسجيليين”، لكي يسألني عما عساه يكون المرض الذي يسبب ألما في الجانب الأيمن من البطن مثلا، أو الجانب الأيسر، وماذ إذا كان يعاني من ألم أحيانا في الأذن، وما الذي يمكن أن يكون سبب الصداع في مقدمة الرأس. كان مهجوسا بالطب وتفاصيله ويبدو مبهورا وأنا أجاهد لتبسيط الموضوع، ولكنّي في قرارة نفسي كنت أستنكر أن يطالبني صديق مثقف بتشخيص حالته “على الرصيف”. لا أعتقد أن خيري عكس هواجسه المتعلقة بالجسد البشري في أفلامه كما فعل بعض المخرجين في العالم.

عندما عرض فيلم “الطوق والإسورة” بمهرجان لندن جاء خيري بشارة وشاركني سكني المتواضع في ذلك الوقت. ولكن خيري لم يكن كما يبدو للبعض ليّنا وطيّعا دائما، بل كان جامحا ويمكنه أن يرد ويصفع. وأتذكر أنه في ندوة مناقشة فيلمه “إشارة مرور” بمهرجان القاهرة احتدّ بشدة على الناقد كمال رمزي وانسحب أمام الجميع من الندوة.

حسين فهمي

لا أعرف الكثير عن حسين فهمي. ولم أقابله سوى مرة واحدة منذ خمسة وعشرين عاما في مصعد أحد الفنادق حيث تبادلنا التحية وبعض الكلمات العابرة. من المعروف أنه تخرّج في معهد السينما قبل خيري بثلاث سنوات، ثم ذهب ليدرس السينما في كاليفورنيا، وعاد ليعمل مدرسا في المعهد قبل أن يقترح عليه حسن الإمام العمل كممثل.

وبينما كان خيري مهموما بالقضية الاجتماعية في مصر شأن أبناء جيله وجيلنا جميعا، كان حسين فهمي يعبّر عن أفكار شديدة الرجعية، وكان يفخر بانتمائه لأسرة إقطاعية تعرّضت للتأميم في زمن عبد الناصر. وكنت أراه دائما ممثلا سطحيا يبدو أداؤه متشابها في جميع أدواره، أي أنه لم يتعلم كثيرا رغم ظهوره في أكثر من مئة فيلم.

لا شك أن خيري وفهمي على طرفي نقيض، سواء في شخصيتهما أو اهتماماتهما السينمائية والإنسانية، ويكفي أن نعرف أنه بينما تزوّج حسين فهمي ست مرات، لم يتزوج خيري سوى مونيكا. ولكني لست متأكدا من منهما الذي ظلم نفسه!

ناقد سينمائي من مصر

15