ذكريات عن مدن اختفت ولم تزل تحمل أسماءها

الروائي إبراهيم عبدالمجيد يمزج بين سيرته الذاتية وعشقه للفن السابع، ليقدم عبر الفصول الخمسة المكونة لكتابه، العديد من التفاصيل الخاصة بعالم السينما في مدينته.
السبت 2018/08/11
أقلعت اليوم عن إدمان السينما الذي لازمني عمري كله

عرفت الإسكندرية السينما قبل القاهرة، إذ كان من حظها أن تشهد أول عرض سينمائي في مصر، وهو فيلم الأخوين لوميير الذي يعتبر أول فيلم في تاريخ السينما، وكانت الإسكندرية ثاني مدينة في العالم تشهد عرض الفيلم، كذلك شهدت في ما بعد تأسيس عدد كبير من دور العرض، فشكلت السينما أحد أهم الملامح الحضارية والروحية للمدينة، لذلك تحضر السينما بقوة في أعمال أدباء الإسكندرية ومنهم الروائي إبراهيم عبدالمجيد

القاهرة - في أحدث كتبه بعنوان ”أنا والسينما” مزج الروائي إبراهيم عبدالمجيد بين سيرته الذاتية وعشقه للفن السابع، ليقدم عبر الفصول الخمسة المكونة لكتابه، العديد من التفاصيل الخاصة بعالم السينما في مدينته، فيسرد بشغف قائمة بأسماء دور السينما في الإسكندرية، وعدد المقاعد التي تستوعبها كل دار، وأسماء ملاكها الأصليين، والمصير الذي انتهت إليه، في ما يشبه التأريخ  لدور العرض السكندرية التي تقلص عددها كثيرا، فتعرض أغلبها للهدم، فمثلا سينما كليوباترا بحي اللبان تحولت إلى ثلاجة لحفظ الأطعمة.

وتكتظ الصفحات بأسماء الأفلام عربية كانت أو أجنبية، ولم تقتصر حكايات عبدالمجيد على ما شاهده في صباه بل تطول لتشمل أفلام نهاية القرن العشرين، فهو في السنوات الأخيرة أقلع عن إدمان السينما الذي لازمه عمره كله، بسبب التقدم في السن وأيضا بسبب التحولات التي طالت الشارع المصري نفسه فدفعت به إلى إيثار السلامة وعدم تفضيل مغادرة البيت إلا للضرورة.

أول مرة

كان إبراهيم عبدالمجيد في سن الخامسة حينما قادته قدماه إلى السينما أول مرة، غادر المدرسة (الروضة) إلى الشارع، سائرا على غير هدى إلى أن أوقفه زحام شديد أمام بوابة سينما تعلوها صورة تجمع بين شادية وكمال الشناوي، فدخل مع الداخلين، وجلس لأول مرة على مقعد السينما، ليعشقها ويظل يتردد عليها.

هكذا بدأت علاقته بالسينما التي يصفها بأنها ذات “خصوصية كبيرة، وبدأت منذ وقت طويل، عندما كنت في الخامسة من عمري، وأهرب من كل ما حولي لأدخل السينما وأراقب هذا العالم المبهر الذي سحرني، أهرب من المدرسة ومن البيت ولا تهدأ محاولاتي إلا بالمزيد من الأفلام والمغامرة”.

السينما تفيد الكاتب خصوصا عندما يتلقى الأفلام بوعي وإدراك، فإن الفائدة تكون أكبر ويظهر ذلك في كتاباته

يقول الكاتب “أحكي عن الأفلام التي شكلت وعيي وذائقتي منذ طفولتي ومرورا بالمرحلة الابتدائية ووصولًا إلى الجامعة، هناك المئات من الأفلام التي لا يمكن حصرها، ولكن، بمرور الوقت، اتخذت مشاهداتي طابعا جديدا ودخلت مرحلة مختلفة على مستوى الوعي السينمائي والإدراك بالنقد الفني، وأصبحت أرى الفيلم من زاوية جديدة”.

وهو يحكي بسلاسة وبساطة مستفيدا من خبرته العريضة في السرد، فيبدو وكأنه لا يكتب، بل يسرد شفويا ذكرياته، فكلما شده الحنين لماضيه الشخصي وماضي مدينته تنبثق ذكريات مرتبطة بالسينما ونجومها وأفلامها، وكأنه في الكتاب يحاول استعادة ماض جميل، أو تثبيت صورة زاهية أتلفها قبح الواقع الذي لم يكتف بتغيير شكل المدينة بل توغل في عمقها محاولا خنق روحها، فالسينما عنده “لم تكن مجرد فيلم شاهدته وعدت إلى البيت، لكنها كانت مشوارا رائعا مع أصدقاء افتقدتهم في الحياة في ما بعد.. مشوار رائع في طرقات وشوارع فقدت بريقها وجمالها ومدن تقريبا اختفت رغم أنها لا تزال تحمل أسماءها. السينما كما عرفتها تاريخ وطن وتجليات لروح ذلك الوطن”.

في المرحلة الإعدادية كان مستواه في اللغة الإنكليزية يمكنه من قراءة عنوان الرواية الأصلية المقتبس عنها الفيلم الأجنبي، فاكتشف أن الأفلام المأخوذة عن روايات أجمل من غيرها، وعرف أن الأساطير اليونانية عن هرقل وغيره موجودة في كتب سأل عنها، فقرأ الإلياذة لهوميروس بترجمة دريني خشبة وهو في المرحلة الثانوية، بعد ذلك هجر سينمات الدرجة الثالثة ليرتقي إلى سينمات الدرجة الثانية، يقول “في سينما الهمبرا رأيت العشرات من الأفلام الأجنبية، لم أعد أنسى وجه راف فالون وصوفيا لورين وبيتر سيلرز وغيرهم، وكذلك رأيت زعيم الآباش لبيرت لانكستر، وكان هذا أول فيلم أشاهده متعاطفا مع الهنود الحمر، وفيلم ‘اللا متسامح‘ لبيرت لانكستر.

هذا غير أفلام ملحمية من نوع ‘الحرب والسلام‘ لجون ميلز، و‘الإسكندر الأكبر‘ لريتشارد بيرتون، وفيلم حول العالم في ثمانين يوما الذي لا ينسى لجون ميلز أيضا، وكذلك البعض يفضلونها ساخنة لمارلين مونرو”.

هنا القاهرة

حينما استقر عبدالمجيد في القاهرة بعد عام 1975 تعرف على أنواع جديدة من السينمات العالمية.

ذكريات مع السينما
ذكريات مع السينما 

يقول “رأيت أفلاما إسبانية لأول مرة مثل ‘أنا والذئاب‘ إخراج كارلوس ساورا، وهكذا أفلام متعددة لدول لم نكن رأينا منها شيئا من قبل مثل البرتغال واليابان والصين”.

هكذا عرف بوجود سينما جديدة مختلفة، وممثلين جدد غير أولئك الذين عرفهم في طفولته، وهو “الذي ظل يمشي حاملا معه أبطال الخمسينات والستينات، كما عرف من قراءاته ومشاهداته كيف تنتهي حياة العظماء الذين لا يتفقون أبدا مع المجتمع من حولهم، حتى لو أعلنوا ذلك، لا يتفق مع المجتمع إلا الأغبياء، والرفض أمر فطري في الموهوبين الكبار، ولا يتفق مع المجتمع إلا أنصاف الموهوبين والانتهازيين من المثقفين والمبدعين، وما أكثرهم في كل عصر”.

واكتشف كذلك أنه ليس الوحيد من الأدباء المفتون بالسينما، فأغلبهم يشاركونه الولع بالشاشة ويولون الأفلام اهتماما مماثلا لاهتمامهم بالكتب، فالسينما تفيد الكاتب خصوصا عندما يتلقى الأفلام بوعي وإدراك، فإن الفائدة تكون أكبر ويظهر ذلك في كتاباته. وقد ساعدت السينما إبراهيم عبدالمجيد في أن يحدد هدفه مبكرا، فتلمس طريقه نحو الكتابة منذ صباه، فأصبح يهتم

بالقراءة ثم كتابة القصة، ومن الأفلام التي شاهدها في تلك الفترة فيلم بلجيكي كان هو الدافع إلى كتابة روايته “في كل أسبوع يوم جمعة”.

شهدت أيضا مرحلته القاهرية نضج رؤيته إلى العمل الفني، فعرف ”إلى من يُنسب الفيلم”، فارتبطت حكاياته بأسماء المخرجين على العكس من المرحلة الأولى التي امتلأت بأسماء الممثلين، لكن مع قدوم التسعينات التي شهدت “أقصى درجات الاضمحلال السينمائي” لصالح المسلسلات قلت الحكايات.

ويلاحظ أن القاهرة التي عاش فيها الكاتب أكثر من نصف عمره لم تشغل حيزا كبيرا من الكتاب، على العكس من مدينة صباه التي استأثرت بأغلب الصفحات، فربما الحنين إليها هو ما استدعى الذكريات التي تفعم الفصول.

ونذكر أن كتاب ”أنا والسينما” لإبراهيم عبدالمجيد صدر حديثا عن الدار المصرية اللبنانية بالقاهرة.

14