"ذكريات".. معرض يحتفي بالضوء والفواكه الصيفية

لوحات الفنان التشكيلي شادي أبوسعدة زاخرة بشاعرية صبيانية صادقة تحاكي فيها الظلال على الجدران حياة الإنسان وعلاقته مع الذكريات.
الجمعة 2021/04/23
صراعات صبيانية مرحة

دعا الفنان التشكيلي السوري شادي أبوسعدة أصدقاءه في الإمارات والمهتمين بالفن بشكل عام إلى حضور مشاركته الفنية بالعديد من اللوحات في احتفالية "ورلد آرت دبي" (المعرض العالمي للفن في دبي)، وذلك من خلال جناح مخصّص لصالة "آرت بوث/دبي"، وجاء المعرض تحت عنوان “ذكريات”.

يعرض الفنان التشكيلي السوري شادي أبوسعدة مجموعة من أعماله الفنية الجديدة في احتفالية المعرض العالمي للفن في دبي الذي انطلق في الأول من شهر أبريل الحالي، وذلك بالتعاون مع “آرت بوت/ دبي”.

أما العنوان الذي يحتضن أعماله فهو “ذكريات”. وليس من الغريب أن يكون لأعمال الفنان هذا العنوان، فلوحاته منذ انطلاقته الفنية عام 2008 في معرض فردي، زاخرة بشاعرية “صبيانية” مؤثرة وصادقة تحاكي فيها الظلال على الجدران حياة الإنسان وعلاقته مع ذكريات طفولته ومع الآخرين والعالم المحيط.

شخوص هلامية

بعدما يقرب من السنتين من معرضه الأول اندلعت الثورة في سوريا، تاركة بصماتها على تبلور عالمه الفني الذي لم تزل فيه ثيمة الجدران مُلحّة وحمّالة للمعاني.

شادي أبوسعدة: ما بين الماضي والمستقبل هل تذكر آخر الألعاب التي لعبتها؟

غير أن “جدران” شادي أبوسعدة الحاضرة في هذا المعرض، إضافة إلى عدة لوحات نشرها مؤخرا على صفحته الفيسبوكية، ظلت كما في باقي أعماله السابقة تسعى إلى إبراز تطوّر تقنية التعبير مع استخدام مفردات بصرية جديدة فيها من معرض إلى التالي، مع عدم التخلي عن الجدار كعنصر بصري أساسي لتأليف عالمه الفني.

كما أن شخوصه الموجودة في أعماله السابقة مازالت موجودة في لوحاته الجديدة: صبيان وبنات يسردون قصصا وينهمكون في ألعاب كانت لهم أو لم تكن يوما لهم، بل حلموا بها.

وبدوره يسرد الفنان عنهم، لا بل عبرهم، قصصا عن تماس الماضي مع المُستقبل وحضور الاثنين في الحاضر، مع العلم أن ثيمة المستقبل، أو ما سيأتي لاحقا، اشتد حضورها في معارضه واحدا تلو الآخر وتجلت خاصة في رقةّ الجدران التي باتت أكثر شفافية ومفتوحة على خلفية اللوحة.

وغاب استعمال الفنان لأوراق الجرائد في خلفية شخوصه كما تغيب أهمية جريدة “اليوم” في نسختها الورقية عندما تشرق شمس اليوم التالي.

لذلك تبدو أعمال الفنان بداية بأول معرض وصولا إلى معرضه الحالي نوعا من التأمّل في ماهية الزمن وانقساماته، وكيف يذوي الزمن ويتحوّل إلى الأمام عبر فرح ضئيل يظهر في تصرفات أو على ملامح وجوه طفل صغير، وكيف يتحجّر في أعماله التي صوّرت فتية ينشغلون في عراك مع بعضهم البعض على سبيل المزاح أو الجدّ، وأيضا كيف يتحوّل إلى مصيدة تتماهى مع مأساوية الواقع المُتمثلة بجدران تقشّر سطحها وتعرّضت للرطوبة حتى التلف أو أصيبت بشظايا قذائف أو طلقات نارية.

وظلت شخوص أبوسعدة تتحوّل عبر لوحاته حتى وصلت إلى درجة كبيرة من التلاشي عندما رسمها في معرضه الذي أقامه سنة 2017 في صالة “مارك هاشم” البيروتية.

وفي تلك الأعمال أصبحت شخوص الفنان إما مُشكلة على حدود ما بين هلامية بيضاء وشفافية شبحية أو حليقة الشعر ومستديرة رؤوسها ووجوهها كالأقمار في الليالي غير الحالكة.

فاكهة البطيخ دخلت عوالم أبوسعدة بجمالها الخارجي والداخلي، لتضفي على اللوحات أبعادا حسية وفلسفية

معرض اليوم ينبثق من هذا الماضي بشكل ساطع. ولم يغب الجدار ولم تغب الشخوص كما لم تغب هواجس الفنان ذاتها، ولكن أضيفت إليها الرغبة في أن تكون أحلام شخوصه السابقة حقيقة حاضرة تمدّ بطاقتها الإيجابية نحو المستقبل.

وحضر هذا الهاجس أيضا في الكلمات التي وضعها الفنان مرافقة لصور عن لوحاته على صفحته الفيسبوكية. ونذكر منها “نرسم الماضي لمستقبل مجهول” و”نذهب بعجلة تدور بنا بين الماضي والمستقبل” و”أن نعيش واقعنا لأمل جديد” و”ما بين الماضي والمستقبل هل تذكر آخر الألعاب التي لعبتها؟” و”ليعود الأمل في حياتنا”.

فاكهة الحياة الممكنة

يُمكن القول إن أجواء لوحات أبوسعدة الجديدة “صيفية” تحوّل فيها اللون الرمادي والأزرق الخامد إلى زرقة لازوردية وإلى أخضر لازوردي فاتح ينبعث من عطور النباتات المروية حديثا تحت أشعة شمس العصر. نباتات غير مرئية بالعين المجردة، ولكنها حاضرة بقوة ومنتشرة في فضاء لوحاته.

أصبحت “جدران” شادي أبوسعدة الرمادية المُتقشّرة منافذ مُسطحة يغشاها ضباب أزرق اللون ويتألّق عبرها لون أخضر منعش، نكاد أن نقول إنه تشكّل من أنفاس الفتيات والصبيان الواقفين أمامها لأول مرة دون أن يكونوا سجناءها بطريقة مُلطّفة أو بأخرى كما في لوحاته الماضية.

ودخلت فاكهة البطيخ إلى لوحاته لتكون بين يدي أبطاله اليافعين حينا وبين شفاههم حينا آخر على النحو الذي كنا، ومازلنا، نحب فيه أكل حصص البطيخ الحلوة
والنديّة.

دخلت هذه الفاكهة بجمالها الخارجي والداخلي، أي بالأفكار المرتبطة بها، التي هي حسّية بقدر ما هي فلسفية، لتُخرج الأمل بمستقبل أفضل من ظروف الاستحالة الحاضرة جاعلة إياه حالة “مُمكنة” جدا.

ثيمة المستقبل يشتد حضورها في خلفية اللوحات الجديدة، لتتجلى خاصة في رقة الجدران التي باتت أكثر شفافية

أصبحت ملابس الأولاد أكثر رونقا ممّا كانت عليه في لوحاته السابقة لتنسجم انسجاما كبيرا مع لون الخلفيات “الجدارية”، فلا يبتعد بذلك الفنان كثيرا عن فكرة “الحلول” في الجدران. جدران هي لأول مرة في لوحاته فضاءات مفتوحة.

كما أدخل تفصيلا مُضيئا ومُعبّرا جدا إلى ملامح وجوه اليافعين في لوحاته، وهو عبارة عن مساحات شفافة ووردية اللون حلّت على أنوفهم وشفاههم. هم أكثر صحة وأكثر راحة وأكثر رغبة في الانفتاح إلى مستقبل بشّر به الفنان سنة 2017 حين كتب في آخر البيان المرافق لمعرضه “أعود وأقول حطموا جدرانكم واتبعوني.. إنه مجرد حلم”.

وشادي أبوسعدة من مواليد مدينة السويداء في العام 1983، يحمل إجازة في الفنون الجميلة قسم التصوير الزيتي 2008، له العديد من المعارض الخاصة والمشتركة في كل من سوريا، لبنان، دبي، سويسرا وباريس. كما يذُكر أن الفنان السوري مُتعدّد الوسائط الفنية وقد استخدم الفيديو والتجهيز الفني إضافة إلى التشكيل بمواد مختلفة.

رسم الأحلام بالظلال الشفافة
رسم الأحلام بالظلال الشفافة

 

تأمّل جمالي في ماهية الزمن وانقساماته
تأمّل جمالي في ماهية الزمن وانقساماته
صبيان وبنات يسردون قصصا عن أمنيات ستتحقق
صبيان وبنات يسردون قصصا عن أمنيات ستتحقق

 

أجواء لوحات أبوسعدة الجديدة "صيفية"
أجواء لوحات أبوسعدة الجديدة "صيفية"

 

 

17