ذكريات يتقاطع فيها السرد الفني مع السيرة الذاتية

الثلاثاء 2018/01/30
لغة مشبعة بالإحساس

عمّان - ينساب السرد في آخر أعمال إبراهيم الفقيه بعفوية، محتشدًا بالتفاصيل التي تتزاحم وتنثال من ذاكرة الكاتب وكأنها تسرد نفسها بلغة مشبعة بالإحساس.

في رواية الفقيه الأخيرة بعنوان “ظلال العمر”، يتقاطع السرد الفني مع السيرة الذاتية، حيث يستذكر الكاتب لحظةَ التماعة الفكرة وهو في طريقه من عمّان إلى بيروت “راح الماضي يشق طريقه في ذاكرتي، أفكاري بدت امتدادًا لما يجري في أعماقي، محطات تتوارد في رأسي وتتسلسل مثل حبات مسبحة.. لم أكن أتذكر، كنت أعيش سنوات عمري لحظة بلحظة، تراءت لي فردوس بصورة ملاك وسط إطار مذهب جميل.. وجدتُ نفسي أفكر فيها وأتمنى رؤيتها من جديد.. فردوس لم تكن لحظة عابرة في حياتي. كانت لهبًا في مسيرة العمر، لكن ‘كل شيء بقضاء، ما بأيدينا خُلقنا ضعفاء‘”.

يفرد الفقيه في روايته، الصادرة عن الآن ناشرون وموزعون بعمّان، مساحات واسعة للمرأة، ويقدم صورة واقعية جدًا عن علاقته بها منذ أن قرّر السارد أن يتخذ زوجة ثانية لرغبته في الولد “تصفعني حكايات قديمة، تتجدد خلايا ذاكرتي، ينقلب عالمي رأسًا على عقب، أشعر أن فردوس قدري وأنا قدرها الذي لا فرار منه. فما رحلة العمر غير محطة المسافر ليستريح من عناء الطريق، وينفض عن وجهه غبار الزمن.. لكن السفر يطول ويطول في رحلة مضنية، تشتد فيها حرارة الشمس حتى تُصبح لظى يحرق الجسد والروح”.

ويقدم الكاتب رؤيته للعالم والأحداث، من خلال حكمة الإنسان البسيط “عند المساء عاد أبوسعيد من عمله، كنت أقف قرب الباب متسمرًا متوتِّر الأعصاب. دار بيننا حديث قصير عن الأحوال الصحية، والسياسة والحرب الأهلية في لبنان.. قال وقد لاحظ قلقي: الجميع خوَنة، والخاسر الوحيد مَن يُقتل هذه الأيام”.

كما يقدم صورة واقعية عن الأحداث التي واجهها يقول مثلا “أصوات القذائف لم تهدأ يومًا في بيروت، وطلقات القناصين تشل حركة الشوارع وتحيل الأحياء البشرية المتحركة إلى جثث يصعب الاقتراب منها. زخات من الرصاص تُبحر وتستقر في عباب الجماجم.. العالم أصبح صغيرًا وجحيمًا، الجدران ترنحت وأصبحت أرصفة وممرات، الأحياء الهادئة والمغلقة أصبحت جبهات مفتوحة ومتداخلة لقتال ملعون، والفجر بدا بعيدًا بعيدًا”.

ويتابع السارد بقوله “أحسستُ بشيءٍ ما يتمزق في أعماقي، وبدت الثورة التي انتميتُ إليها نقمة في حياتي.. ملعونة هذه الحرب التي أجبرتني على الإبحار في خضمها حتى أصبحتُ قرصانًا! الثورة علّمتني كيف أرفع سلاحي في وجه من أحب وأقتله إن كان خصمًا للثورة”.

ومن خلال الاسترجاع، يعود السارد إلى الطفولة، ويلتقط منها ما اختزن بالذاكرة وترك أثرًا على مسير الحياة اللاحقة، فهو يصف تفاصيل الحياة ويجعل القارئ يعيشها، يقول “لا أعرف لماذا قادتني حاسة الزمن للماضي، واسترجعت أيام القهر وحكاية القط الأسود في ذاكرتي!”، ويتابع “تلك الأيام كانت البدايات. كانت الطفولة. الطفولة كانت عناءً وتشردًا وضياعًا في عالم المخيمات والخيم الممزقة والمطر والبرد، والفقر والهجرة من فلسطين إلى بلدة الكرامة شرقي النهر. مشوار طويل من الألم والمشي على حجارة الصوّان.. في بلدة الكرامة”.

إن ذكريات الفقيه التي يسردها في قالب سيري بلغة شاعرية تستذكر الماضي بحرقة، تتمازج مع ظروف واقعية تروي لا حياته هو كفرد فقط، بل تقدم سردا تأريخيا لواقع المنطقة وواقع الفلسطينيين المهجرين، وأهوال الحروب والسنوات التي كانت فيها الأيديولوجيا تفرق الأخ عن أخيه، كما يقدم رؤاه للكثير من القضايا الاجتماعية والسياسية وحتى الأدبية وغيرها من التفاصيل يجمّعها الكاتب انطلاقا من قصة حب مفقود.

يُذكر أن الفقيه من مواليد سنة 1946 في قرية صوبا/ القدس، من أعماله الروائية “جذور في طريق التحرير” (1974)، “الهذيان” (1975)، “الأرض الحافية” (1999)، “نوافذ الغضب” (2001)، “ظمأ السنابل” (2007)، “أحلام يوسف” (2011) و”قناديل الروح” (2013) وغيرها.

15