ذكور صنعوا مقاييس الجمال ثم هربوا منه

لا شكّ أنّ للجمال رهبة لا يحسّها إلاّ عشّاقه ومتذوّقوه، ولكن لماذا نهرب منه ونبحث عن نقيضه؟ لماذا نخشى مواجهته ونفرّ إلى جحور العتمة والرتابة؟
الجمعة 2018/12/07
لا يواجه الجمال إلاّ بالجمال

ورد في استطلاع موثوق وموثّق أنّ غالبيّة حسناوات العالم وشهيرات شاشاته وملكات جماله يشتكين من ندرة المغازلين وعزوف الرجال عن ملاطفة أنوثتهن ولو بعبارات بسيطة ” فيها شكر لهن على جمالهن”.

هكذا وبكلّ بساطة تمرّ قامة فارعة وحاسمة وساحرة أمام رجل فيشيح بوجهه ويبحث عمّن هي أقل جاذبيّة وأخفّ بريقا و”أسهل ابتلاعا وأكثر إنصاتا إليه”.

إنّه الخوف من سطوة الجمال الذي يولّد اهتزاز الثقة ومن ثمّ الانصراف إلى من يظنّها الرجل “أقلّ عناء، وفي المتناول ومن دون خسائر”. ولكن، هيهات، فلقد فات هؤلاء المغفّلين من الرجال أنّ آمنة الخطوة والكلام والابتسام والمغامرة هي تلك الواثقة من جمالها، أمّا التي حُرمت منه -أو حرمت نفسها منه على وجه الدقة والتحديد- فلديها توجّس دائم من أنّ الذكور، جميعهم، ذئاب تعدّ أنيابها وتسنّ مخالبها وتنتظرها في الطريق عند أوّل منعرج.

قيل أيضا، إنّ الرجل يحب الذكيّة وينجذب إليها ولكنّه يرتبط بالبلهاء. المرجّح أنّ هذه العبارة قد وردت على لسان امرأة متواضعة الجمال (أو تعتقد أنها كذلك). أغلب الظن أن صاحبة هذه المقولة امرأة، كانت وقتها، متعكّرة المزاج أو هي قد دخلت مجال الفكر والأدب من “أوسع الأبواب” بعد أن خذلها جسمها الممتلئ في طرق أبواب أخرى ضيّقة ومنيعة ولا تنفتح إلاّ للممشوقات حسب سطوة المنطق الذكوري الذي يحتكر أسواق مسابقات الجمال.

لماذا ارتبط الجمال بالبلاهة كما ارتبط غيابه بالنباهة وذلك على شاكلة “كوني جميلة واصمتي” أو حتى من طراز “تحدّثي كي أراك.. فلعلّ هناك ما يشدّني إليك”.

هل حقّا يستحيل الّلقاء بين جمال الجسد والروح والفكر، ولكن، من يقف وراء التنظير لاستحالة هذه المعادلة؟

لا شكّ أنّهم الذكور، هم الذين يضعون أذواقهم وتربيتهم وعقدهم في مقاييس الجسد الأنثوي فتنخدع إليها النساء بل ويساهمن بأنفسهن في تكريسها كأمر واقع لا مفرّ منه. لا ننكر أنّ حسناوات كثيرات، إذا تحدّثن فقدن نصف جمالهنّ، وأنّ أخريات (عاديات) إذا تكلّمن استرجعن ما حرمن منه ببريق خفيّ وآسر، إنّها اللغة حين تمسي حليّا تزيّن وتسعف من “خذلتها الصورة والمظهر” في نظر بعضهم طبعا.

الدخول في متاهة الجمال وتعريفاته وتهويماته أمر غير مكفول العواقب، ولا تسعفنا فيه الكليشيهات الجاهزة والعبارات المعزّية مثل “الجمال هو جمال الروح”. وفي هذا الصدد، هل نسينا أنّ للروح فيضا يشعّ من الوجوه والعيون والحضور والسلوك والابتسامات؟ ما الذي جعل من السيدة فيروز أيقونة غير هذا السرّ؟ ما عسى المرء أن يجده في أنثى أخرى، حين تتلبد ملامحها بتلبد روحها، وتجحظ عيونها بجحوظ نظراتها نحو من حولها.

هل بإمكان أي كائن أن يكون جميلا؟ نعم بالتأكيد، ودون مساحيق و دروس وتمارين في التنحيف والعناية بالبشرة وشدّ العضلات… كيف؟

الأمر ليس وصفة تحفظ وتنفّذ، بل إحساس بالجمال اسمه الحب، ونظر في مرآة الروح قبل مرآة الخزانة، الخزانة التي نمدّ يدنا إليها كلّ صباح لنلتقط الثياب والأحذية والعطور، ولكنّنا لا نلتقط الصفاء والبهجة والإحساس بالآخر، ذلك أنّ هذه الأشياء يجب أن تنام معنا وعلى وسادتنا كلّ مساء، ألم تقل العامّة “الحلو يظل حلوا حتّى إذا أفاق لتوه من النوم”.

الحب وحده يجعل ثيابنا أنيقة، والقبلات وحدها تجعل شفاهنا مكتنزة بطعم الكرز، والابتسامة وحدها تجعل أسناننا ناصعة البياض، لذلك رافقت أذهاننا صورتان على طرفي نقيض، ولكنّهما مفسرتان لشيء اسمه “متلازمة الحب والجمال”؛ الصورة الأولى يتواجه فيها الأخيار والطيبون في كلاسيكيات الأدب العالمي وقصص الأطفال مثل “سنووايت” (بيضاء الثلج) وسندريلّا وغيرهما، وذلك بالجمال الملائكي في مواجهة الأشرار بهيئاتهم القبيحة والمنفّرة.

الصورة الثانية يتواجه فيها أشرار يدّعون الوسامة مع أخيار وُلدوا داخل أجساد معطوبة وهيئات تدعو إلى العطف، ولكنّها لم تعد منفّرة بل ننظر إليها بحبّ وإعجاب. ولعلّ أشهرها رائعة “أحدب نوتردام” وقصّة “الحسناء والوحش”، أمّا حسناوات جيمس بوند، فقد أراد من ورائها صانعوها أن يروّجوا لفكرة الجمال الشرّير والبطولة الذكوريّة في مواجهة الغواية الأنثويّة بقصد الفصل بين جمال الرغبة ونبل الهدف، وذلك في محاولة بائسة لا تروق إلاّ للمعقّدين والمرضى النفسيين.

لا شكّ أنّ للجمال رهبة لا يحسّها إلاّ عشّاقه ومتذوّقوه، ولكن لماذا نهرب منه ونبحث عن نقيضه؟ لماذا نخشى مواجهته ونفرّ إلى جحور العتمة والرتابة؟

لا يواجه الجمال إلاّ بالجمال. فلنستنهضه فينا كلّ صباح، نساء ورجالا، بعيدا عن مافيا احتكار الجمال وتلغيمه.

21
مقالات ذات صلة