ذلك الدين الذي يهدده شعر امرأة

لا يجهل هؤلاء العاطلون فقه الأولويات، ولكنهم أدركوا أن نزع حجاب يهزم مشروع التمكين، ولعلهم أدوات تستخدمها أجهزة أمنية، فلم يعترض أحدهم على ممارسات سياسية إقصائية، أو سلوك أمني ينتهك الدستور.
الثلاثاء 2018/08/14
فتاوى بردة حلا شيحة لخلعها الحجاب

ما أعرفه ويعرفه غيري، ما تعلّمته في الصغر وتعلمه غيري، ما رسخ في “يقين” أي مسلم، أن الإسلام بني على خمس، هي قواعد الإسلام وليست قواعد المسلم الذي قد يعجز عن الصيام ولا يستطيع الحج. هذا هو الإسلام في قوته الذاتية، ولكن مراحل التردي السياسي والانحطاط السلوكي تستبعد، عن عمد، جوهر الدين، وتستبدل بالإيمان تديّنا طقوسيا، ويتم إلهاء الناس عن قضايا تمس وجودهم وآدميتهم، بإعلاء شأن تفاصيل تافهة توضع في الواجهة، وتسلط عليها الأضواء، ويبكي بسببها أمام الكاميرات عاطلون يسمون “الدعاة”، في وصلات نحيب مدفوع الأجر، ويتناسون وهم يجففون الدموع المصطنعة، بطرف الغترة، فقه الأولويات. ذلك لأنهم هواة، وللمحترفين شأن آخر.

ففي سجنه ظلّ سيد قطب أنيقا، حليق الذقن، ويحضر جلسات المحاكمة بالبدلة الكاملة والكرافتة. لم ينشغل بالأدنى فيوصي إخوانه التابعين المستعدين للقتل بإعفاء اللحية، وستر رؤوسهم بطرحة بيضاء، “عدة شغل” يقلد بها متنطع أسياده، وقد أثرى المقلدون المستلبون من امتهان شيء يسمونه “الدعوة”.

أما قطب فكان يعنيه الأكثر أهمية، أيا كان الثمن، وفي كتابه “التاريخ السري لجماعة الإخوان المسلمين” يقول تلميذه علي عشماوي مسؤول تسليح وتدريب أعضاء التنظيم السري “اعترض الأستاذ سيد قطب على اغتيال شخصيات أخرى غير جمال عبدالناصر، مثل المشير (عبدالحكيم عامر) مثلا”، وإن “سفيرة سيد قطب” زينب الغزالي أبلغت علي عشماوي أن حميدة قطب تريد لقاءه.

حضرت حميدة قطب بعض جلسات محاكمة أخيها بدون غطاء للرأس، وأخبرت عشماوي أنها تحمل رسالة أخيها سيد قطب: “أنا لا أريد زوبعة في فنجان، إذا كنتم قادرين على تنفيذ عمل ضخم يهز أركان البلد فافعلوا، وإن لم تكونوا على مقدرة بذلك فالغوا جميع الأوامر والخطط المتفق عليها”. ولم يكن لرجل يريد، بالعمليات الإرهابية، تغيير نظام الحكم أن يفرح باعتزال ممثلة، وارتدائها الحجاب، أو يقيم سرادقا للبكاء على عودتها إلى سيرتها الأولى، كما فعل الصغار.

في تلك الفترة وما سبقها، لم يطرح شعر المرأة كقضية دينية أو اجتماعية، والإسلام أقوى من أن يسيء إليه كشف شعر المرأة الحرة، وكانت طالبات جامعة الأزهر في قاعات الدرس حاسرات الرؤوس في حضرة الأساتذة، وهم مشايخ يرتدون العمامة والكاكولة، زي الأزهر لا زي الإسلام.

ولم تكن زوجات وبنات علماء الدين وقراء القرآن يستحين من الشعر، تاج الرأس. كشف تلقائي، ليس تحديا ولا جرأة، ولا نقصا في الخجل. سلوك عفوي يمارسه بشر أسوياء، نساء شقائق رجال يخرجون إلى الشارع ولا يتساءلون: هل يجوز للرجل كشف شعر رأسه؟ سيكون عبثا أن يردَ هذا الأمر بخاطر أي رجل. أما الملهاة فهي تغطية رأسه بغترة من خارج ثقافته، مع التسليم بأن اختيار الثياب حرية شخصية ولو تشبه بأولياء النعم، وظل مشغولا بحَبْك الغترة؛ فلا يظهر من تحتها شعر، وإنما وجه ذو ابتسامة بلاستيكية سابقة التجهيز.

حتى سبعينات القرن العشرين، كانت القرى المصرية تتمتع ببقايا إيمان محله القلب وتصدقه الجوارح، ولا يشوهه تديّن مظهري حمله عائدون من الحجاز، يسبقون بخطوتين زوجات رجعن منقبات، في قرى تخلو من تقليد سلفي يهودي. في تلك الفترة اشتريت كتابيْ “تفسير سورة النور” و”الحجاب” لأبي الأعلى المودودي، وكتيب “التبرج” لنعمت صدقي، وتسرب مصطلح جديد، اسمه “التبرج” إلى سياق تتنفس فيه الحرية من دون إعلان عنها، ولا تشعر فيه امرأة ريفية بالدونية، فالنساء في الغيط حرائر يعملن بجوار الرجال، ولهن أجر مساو للرجال، وهؤلاء وأولئك لا يعرفون شيئا اسمه النقاب أو الخمار. في الشغل لا تتردد المرأة في أن تشمّر ساعديها، بلا حياء مفتعل مما سيسميه المتنطعون العاطلون “عورة”.

وفي الكسب الحلال ينأى التنطع الديني والنفاق الاجتماعي، وقد اكتسب هذا التنطع وذلك النفاق أرضا وأنصارا بتراجع الأحوال الاقتصادية، وتوالي التبعية السياسية، وفي البطالة تنتعش سوق الفتوى، ويزداد عدد ممتهنيها، ويسهمون في المزيد من تديّن شكلي يعفي المسلم من المسؤولية الأخلاقية عن سلوك فظ في التعامل مع الخلق وأولهم أهله. ويضجر الناس بازدواجية التدين وفساد الأخلاق، ولا تنهي الفتاوى حيرتهم وهم يرون مشهدا يزدحم بالذقون والغترات والجلابيب الباكستانية القصيرة والنقاب، ويقارنونه بمشهد سابق أكثر سماحة وبركة.

ماذا يضير المجتمع والدين إذا خلعت ممثلة حجابها؟ قبل ثورة 25 يناير 2011 رفع محام مريض بالشهرة، ربما تستخدمه أجهزة الأمن في إلهاء الناس وإرهابهم، دعوى قضائية يتهم فيها الممثلة عبير صبري بالإساءة إلى الدين، لأنها خلعت الحجاب وقالت إنه ليس فريضة. الطريف أنه استند في دعواه إلى فتوى صبري عبدالرؤوف أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر بأن خلع الحجاب “ارتداد وخروج عن دائرة الإسلام، لأنه فريضة”.

ثورة 25 يناير 2011 المتعثرة لم تنقذنا من المهووسين بالشهرة والإفتاء.

كنا نأمل أن تنهي الاستبداد والشذوذ العقلي، ولكن الدكتور صبري عبدالرؤوف الذي ساءه خلع حجاب امرأة قبل الثورة، تطوع بعد الثورة بفتوى تسيء إلى الدين، وتهين المشاعر والرشد الإنساني، قائلا بجواز معاشرة الزوج لزوجته المتوفاة، “مضاجعة الوداع”. وإذا كانت لفتواه أسانيد في بطون كتب صفراء فهي لا تخصنا.

وأعلن زميله عزت عطية رئيس قسم الحديث بكلية أصول الدين عن جواز رضاع الكبير، بأن ترضع المرأة زميلها في العمل؛ لكي تحل لهما الخلوة. فتوى يطلقها إنسان تحكمه غرائزه، ويستنكرها السويّ الذي كرمه الله بالعقل، ورفعه بالفطرة عن عواطف بهيمية غُفل نسخت نصا قديما وأبطلت عمله. ولن يكون مفاجئا قول علي جمعة مفتي مصر السابق، في برنامج تلفزيوني، إن الحديث “موجود في البخاري، وهو حديث صحيح، وهو مذهب السيدة عائشة”، وقدم حلا تلفيقيا هو “وصول لبن الست، ولو وضع في فنجان، إلى الشخص.. مش عن طريق أنه يرضع منها”.

ليس هذا مقام رضاع كبير أو صغير، وإنما هو محاولة تفسير هستيريا أصابت عدواها “دعاة” عاطلين، بكوا وتباكوا حين خلعت الممثلة المصرية حلا شيحة حجابها، فأفتى البعض بردتها، وخصصت البرامج لاستعادتها إلى حظيرة الإسلام، كأن كشف شعرها يهدد مستقبل دين واجه حروبا منذ بدايته، وغزا بلادا وغزيت فيه بلاد ودمرت مدن، واستمر قويا لأنه متين.

لا يجهل هؤلاء العاطلون فقه الأولويات، ولكنهم أدركوا أن نزع حجاب يهزم مشروع التمكين، ولعلهم أدوات تستخدمها أجهزة أمنية، فلم يعترض أحدهم على ممارسات سياسية إقصائية، أو سلوك أمني ينتهك الدستور. ولا أملك إلا الدعاء بتخليص الإسلام وإنقاذه من حماقات الجاهلين.

9