ذلك اليوم القاهري في حضرة يحيى حقي

الأحد 2013/12/29
المبروك صار مسحورا بأدب أميركا اللاتينية

أطالع الآن أحدث كتاب صدر في القاهرة للأديب “محمد إبراهيم مبروك” عن المجلس الأعلى للثقافة وعنوانه “زمن الكتبة يأفل.. أزمنة الكتَّاب تجيئ” وقد ذكر فيه أن الكتابة صلاة، والصلاة هي أكثر أعمال الإنسان خصوصية، وعلى صفحاته اعترف بأنه يقدس الحياة العائلية، رغم اعتقاده بأنها أكبر ورطة إنسانية في التاريخ، لأنها، كما قال “فوكنر”، السبب الحقيقي الذي سيخلد الجنس البشري.

ولا يجد أحد أهم كتاب جيل الستينات في مصر أية غضاضة في القول إن عمله كان “سباك تركيبات مساقي وتغذية الدواجن وحضانات الكتاكيت”، وقد هرب إليه من أسر الوظيفة الحكومية التي تؤدي بالناس إلى واقع مؤلم، يتسم بالاعتيادية والتبلد الذهني.

وعلى صفحات هذا الكتاب يستدعي “مبروك” مكالمة تليفونية محفورة في ذاكرته على الرغم من أن عمرها يقترب من نصف قرن، كان طرفها الثاني الكاتب الكبير الراحل “يحيي حقي”.

ـ أستاذ “يحيي” أنا “مبروك”.

ـ أهلًا مبروك باشا!

يقول “مبروك”، في كتابه “زمن الكتبة يأفل.. أزمنة الكتَّاب تجيئ” الصادر مؤخرًا عن المجلس الأعلى للثقافة، إنه فوجئ بصوت “حقي” في التليفون مورطًا إياه بالباشوية، مما جعله يرتبك، وعندما حاول أن يجمع شتات نفسه وصوته ليرد له تحية مميزة، تضع “يحيى حقي” في درجة أعلى من الباشوية، رد قائلًا:

ـ أهلًا يحيى بك!

كانت الباكوية درجة أقل، لكنه ارتباك الأديب الذي يستشرف بعد عالم الكتابة، أمام بساطة المبدع الذي اكتشفه، خاصة عندما يكون هذا المكتشف في قامة “يحيى حقي”.

يطلب “حقي” من “مبروك” أن يلتقيه في بيته، فيعلن الأخير سعادته البالغة بهذه المقابلة. يقول “مبروك”: اتفقنا، وحييته، ووضعت السماعة وقلبي يمتلئ بفرحة، وزهو، وتوقع حلو.

كان “مبروك” قد ترك قصته الشهيرة “نزف صوت صمت نصف طائر” في مقر مجلة “المجلة” التي كان “يحيى حقي” يرأس تحريرها في ذلك الوقت، أواخر أغسطس 1966، وكانت “المجلة” تعد لإصدار عدد سنوي خاص عن القصة المصرية القصيرة، وبالفعل، تجد القصة اهتمامًا كبيرًا من رئيس التحرير، لتجري هذه المهاتفة التي أدهشت “مبروك”.

ويصف الكاتب الطالع تفاصيل مقابلته الأولى لهذا الكاتب الكبير، فيقول: في الصباح المتفق عليه فتح لي الباب بوجه باسم، كان قصير القامة، قليل الحجم، في “الروب دي شامبر”، ممتلئًا بالحيوية، والعينان تنظران إليّ من خلف النظارة بترحيب حار، والنظرة الطويلة تسبح فوق محيط من الابتسام الدائم.

يستدرك “مبروك”: قدمت نفسي، فهلل مرحبَا: “أهلًا.. أهلًا “مبروك باشا”. وأخذه من يده حتى الركن الذي توجد به كنبتان إسطنبوليتان حولهما بعض الكراسي، وبعد أن قدم له أحد هذه الكراسي ليجلس، سأله إن كان يفضل: الشاي أم القهوة، فطلب شايًا.

أعد “حقي” الشاي وقهوته، وعاد حاملًا الصينية، ووضعها أمامهما على المنضدة، وأخرج علبة سجائره من جيب “الروب دى شامبر”، وقدم سيجارة لـ”مبروك” الذي اعتذر لكونه لا يدخن.

المبروك لم يفقد الأمل في أن يتفجر معينه مرة أخرى

يقول “مبروك”: أشعل سيجارته، ورجاني أن أكلمه عن نفسي؛ ما الذي تعنيه الكتابة لي؟، ماذا أعمل؟ أو أدرس؟ كيف أعيش؟ ماذا أقرأ؟ ولمن؟ وإن كنت أفضل كتَّابًا بأعينهم، في أدبنا، أو في الأدب العالمي.

وقال “مبروك” لـ”حقي” إنه يكره النقود، رغم ضروريتها، وإنه لم يحتقر شيئًا في حياته مثلما احتقر الأغنياء، لقدرتهم على ارتكاب الجرائم، أيًا كانت درجة بشاعتها، وهم غارقون في المتع المبتذلة، ويصفهم بأنهم غليظو الجلد، ورائحة أعمالهم لا تغطيها منتجات العطور في العالم كله، وأنهم أعظم مؤسسة لتوريث الفقر وتوزيعه على العالم.

وقال إنه يحب من الكتَّاب الروس: “تشيخوف”، “تورجنيف”، “جوركي”، أما “ديستويفسكي” فقد اعتبره أباه الروحي، وأن أدبه هو المدخل الحقيقي لأدباء القرن العشرين بلا منازع، ومن خلاله عبر إلى كتابات “سارتر”، و”كامي”، و”كافكا”، و”فوكنر”. واعتبر أديبنا، الذي كان شابًا في عام 1966، أن “فوكنر” هو أعظم كاتب أميركي، وبعده يأتي “فيتزجرالد”، وأقل منهما بكثير “شتاينبك”، ثم “همنجواي”! وأشار إلى أنه أحب مسرح “صمويل بيكيت، واعتبره تتويجًا لمسرح “تشيخوف”.

أما الكتاب المصريين، فذكر “مبروك” لـ”يحيى حقي”: “لم أقرأ رواية واحدة لمحمد عبد الحليم عبد الله، ولا أريد، وقرأت لأمين يوسف غراب نصف رواية، ولم أرغب في إكمالها، ولإحسان عبد القدوس رواية واحدة، واكتفيت، والسباعي رواية واحدة، وكففت، وقرأت قصصًا لطه حسين، كما قرأت خمس روايات لنجيب محفوظ، وغالبية أعمال يوسف إدري″.

ورغم أن “مبروك” كان قد قرأ “قنديل أم هاشم”، وبعض مقالات لـ”يحيى حقي”، إلا أنه لم يعلن له عن ذلك، فقد برز أمامه للحظة كرئيس تحرير مجلة تقدم لها بقصة راغبًا في نشرها.

ولم يبد “حقي” رد فعل حيال عدم ذكر اسمه، بل، على حسب قول “مبروك”: لم تصفر ابتسامته، واستمر في إصغائه الودود، بل قام بإعداد شاي وقهوة أخريين”، وقال لـ”مبروك” رأيه الذي تلخص في “إنه لم يصادف، منذ سنوات، شابًا له مثل هذه الاهتمامات، وهذا النوع من القلق الخلاق، وهذه القراءات، وهذه الآراء فيما يقرأ، وهذا المنحى في الكتابة بهذا الشكل الذي لا يلمح فيه تأثرًا بأحد”.

ونشرت “نزف صوت صمت نصف طائر” في “المجلة”، تصحبها رؤية نقدية للناقد البارز “صبري حافظ”، ومعها لوحة بالغة الإيحاء للفنان “فتحي أحمد”.

قال “صبري حافظ” عن هذه القصة: “لقد وصل مبروك بأسلوب المونولوج الداخلي إلى آفاق لم يُسمع فيها وقع لقلم مصري من قبل”.

وحققت القصة صدى كبيرًا.

يقول “مبروك”: كانت هذه القصة ميلادًا حقيقيًا لي كقاص، وكان الصدى الذي حققه الاحتفاء بها هائلًا، وقيل أيامها: “كيف أن موهبة كبيرة قد برزت فجأة، واحتلت بقصة قصيرة واحدة مكانها في طليعة كتاب القصة القصيرة في أوج ازدهارها في الستينات؟”

ويتعرض “محمد إبراهيم مبروك” لتجربة اعتقال مريرة أيام “عبد الناصر” دامت سنة كاملة، خرج على إثرها، صامتًا، يجتر الألم، فما رآه في المعتقلات كان أصعب مما تتخيله رؤية كاتب حالم.

ومنذ تلك اللحظة لم يكتب قصة واحدة حتى اليوم! لكنه ما إن قرأ قصة ماركيز “ليس لدى الكولونيل من يكاتبه” حتى صار مسحورًا بأدب أميركا اللاتينية، فدرس اللغة الإسبانية، ليترجم، بعد ذلك، قصصًا لـ”بورخيس″، و”إيزابيل الليندي”، وغيرهما.

أما عن إبداعه هو، الذي توقف تمامًا، فيذكر أنه لم يفقد الأمل في أن يتفجر معينه مرة أخرى، يقول: “من يدري؟ قد تفاجئني مرة أخرى اللحظة المعجزة، لحظة أن أبعث صاعدًا، بجناحين مشرعين، للتحليق من رماد الحريق”.

14