ذلك لأننا بشر

الأربعاء 2017/04/05

نظرت في عينيه كمن عثر فجأة على حلِ لغزٍ عويص وقالت “ما رأيك أن نلعبُ حباً.. بدلَ أن نحب؟”.. نظر إليها باستغراب وهو يضحك مستشعرا ذبذبات البراءة والصدق وهي تلتمع في عينيها.. وقد حدس جدية اقتراحها وصراحتها التي لم يشبها غنج أو تذاك من ذلك النوع الذي تتقنه النساء.. كان ذلك بعد لقاءات وحوارات طالت بينهما.. وبعد أن أحسّـا معا بنمو شيء يشبه الحب يدغدغ مشاعرهما ويشدّهما إلى درب لا شك كان سيفضي إلى شيء أكبر.. وإذ أحب الفكرة سألها بفضول “ولكن كيف؟ هل يمكن أن نتعامل مع أمور من هذا النوع بقرار؟ إنها مشاعرنا.. وللحب سطوة لا يمكن للإنسان.. ذلك الكائن الأرضي إلا أن يستسلم لها.. ونحن في النهاية بشر!”..

فقالت بحزم “بل نستطيع! ولأننا بشر فلا حدود لطاقاتنا.. ولا يمكن إلا أن نكون بشرا على الرغم من كل ما يحبطوننا به من عبارات”.. فبادرها قائلا “إذا فلن أقول كيف.. لأنني أعلم بمدى قوتك وإصرارك.. وسأغض الطرف مؤقتا عن فيض مشاعري وما يمكن أن تؤول إليه.. ولكن دعيني أسألك لماذا.. أعني لماذا نختار ونقرر أن نلعب حبا بدل أن نحب؟”.

فترد “ذلك لأننا بشر.. لا لأنني قوية بما يكفي لاحتمال المزيد من الخيبات.. سنحب وسنصل ربما إلى أقصى درجات الجنون.. ثم مـاذا؟ ستستحيل اللهفة إلى ألفة ثم ضجر ثم عدم احتمال.. وستلتقي بعد ذلك بمـن تبعث فيك اللهفة من جـديد.. لتلجأ معي إلى الكـذب والنفـاق والخديعة.. وأخيـرا إلى الهجر.. وكلها كوارث ما عاد في روحي متسع لاحتمالها.. فنحن في النهاية بشر!”.

“ماذا تقولين؟ ألا يمكن أن.. “فقاطعته وهي تزفرُ حسرة حارقة وتستأنف بهدوء “لأن من كنت له الكون بأسره وكان لي كل الناس لم يصن كرامتي وولهي.. لأن رهافتي تشظت ومشاعري تناثرت أشلاء على يديه.. لأنه أشهرَ جلّ قسوته إزاء طفولتي وطعنها بالكذب والغياب.. لأن من أودعته نفسي ومفاتيح عمري لم يستطع أن يكون أكثر من عشيق سرّي جبان.. ولذلك كله فقدتُ التصديق.. وأصبحتْ صفة رجل قابلة عندي للنقاش.. ولذلك أيضا أقول لك بصراحة وصدق كبيرين.. إنني قد لا أكون أجمل النساء ولا أذكاهن ولا أكثرهن اهتماما بنفسها أو بالآخر.. قد لا أكون حبيبة أو زوجة أو أمّا صالحة.. لكنني سأزعم ملء غروري بأنك لن تجد في الكون صديقة مثلي.. فافعل ما تشاء.. عش حياتك كما يحلو لذكورتك وحبك للحياة.. ولتأمن أن لك في ركن ما من هذا العالم الكبير صديقة مخلصة حقيقية.. تحتويك وتصغي لوجعك وتحنو عليك أمّـا فتستوعب جنونك وضعفك وكبواتك وأخطاءك.. وشـَرطي الواحد الوحيد هو أن تـصدقني القول وأن تحكي لي كل ما يجول بخاطرك.. وألا تخفي أسرارك عني فلن تجد مثل قلبي ملجأ لأعتى الأسرار.. فإن كنت تبحث عن عاشقة فذة فقد أخطأت في العنوان.. أنا يا سيدي لم أعد مؤمنة بالحب المطلق.. ولم أعد مؤمنة بحب يدوم.. العمر قصير نحياه مرة واحدة.. ولا أنوي أن أضيع ما تبقى منه أملا بأسطورة لا وجود لها على الأرض.. فإن نحن إلا بشر!”.

صباحكم صداقات حقيقية..

شاعرة عراقية مقيمة في لندن

21