ذهبت العقوبات الاقتصادية.. حان وقت إنجاب الأطفال

النظام الإيراني يرى أن البلاد باتت في مأزق، لذلك فهو ينفق ملايين الدولارات على حملة لإقناع الإيرانيين بضرورة زيادة معدلات الإنجاب التي انخفضت لتصل إلى أقل من المعدلات الأوروبية، لكن لا يبدو أن الحملة المدعومة حكوميا لازالت تلقى القبول المنشود.
الأربعاء 2015/08/05
الشعب الإيراني ينتظر انتهاء القمع ليمنح الحياة لمزيد من أبنائه

طهران - تعتمد إيران في الخارج كثيرا على ثقافة القوة الغاشمة في تعاملها مع المجتمعات الأجنبية، لكن في الداخل يظل الوضع متباينا في ظل محاولات النظام في طهران نشر ثقافة الحياة.

وفي شوارع العاصمة، تنتشر اللافتات التي تدعو الإيرانيين إلى الإنجاب. وتظهر على إحدى اللافتات عبارة “الكثير من الأطفال لحياة أسعد”، بينما تقول أخرى “زهرة واحدة لا تصنع وحدها ربيعا”، وتظهر بجوارها صورة أب مع أربعة أولاد وبنت تحاول اللحاق به على دراجة.

وتحاول إيران، من خلال الشعارات والدعاية والقوانين الجديدة، أن تقنع الإيرانيين بالتكاثر بشكل أكبر.

وفي حين تبذل دول نامية أخرى قصارى جهدها للتقليل من نسبة الإنجاب، تتطلع إيران إلى مضاعفة عدد السكان إلى 150 مليونا بحلول عام 2050.

وتظهر هذه الحملة، التي يركز عليها النظام الحاكم في طهران مؤخرا، حقيقة صارخة، وهي أن نسب الطلاق والخصوبة الإنجابية في إيران قد وصلت إلى المعدلات الأوروبية.

وفي بلد يسوق لنفسه باعتباره نموذجا للمجتمع الإسلامي، ينتهي ثلث عدد الزيجات في إيران بالطلاق، وتراجعت نسب الإنجاب لكل امرأة يمكنها وضع طفل من 7 بالمئة في عام 1980 إلى 1.8 بالمئة العام الماضي، وهي النسبة التي تقل عن مثيلتها في بريطانيا التي وصلت إلى 1.9 بالمئة.

وخلال العقد الذي أعقب قيام الثورة الإسلامية في عام 1979، شهدت إيران ارتفاعا مطردا في نسب الإنجاب، وزاد عدد الإيرانيين بشكل كبير وبات المجتمع أصغر عمرا.

لكن التراجع الكبير الذي شهدته معدلات الإنجاب، في الوقت الذي كانت فيه إيران قد تحولت إلى “بلد شاب”، أدى إلى ارتفاع معدلات الأعمار مرة أخرى. ونتيجة لذلك، تراجعت معدلات نمو السكان، التي وصلت في ثمانينات القرن الماضي إلى 4 بالمئة، لتصل العام الماضي إلى 1 بالمئة فقط.

بات من الشائع الآن بين الشباب الإيراني، الذي يعاني ضجرا عميقا في مواجهة الأزمات الاقتصادية التي تحيط ببلاده، العزوف عن الإنجاب.

إيرانيون: سننجب أطفالا حينما لا نكون مجبرين على وضع أقنعة على وجوهنا

ومن بين هؤلاء الشباب المتزوجين، شيرين وحسين اللذان مازالا في العشرينات والثلاثينات من العمر، وليس لديهما بعد أي أطفال، وكذلك معظم أصدقائهما.

وتقول شيرين “من بين الذين أعرفهم، زوجان فقط لديهم طفل”. وبينما يبدو عليها الرضا، تقول شيرين إن إنجاب طفل بالنسبة إليها “يعني مسؤولية بالدرجة الأولى. إنه شيء رائع أن يكون لديك طفل، لكن ليس الآن، وليس في هذا المجتمع. ذلك أن المجتمع والاقتصاد ليسا على ما يرام في إيران”.

ولا تقتصر مخاوف شيرين على مستوى المعيشة المتراجع فقط، وإنما تتطرق أيضا إلى العقوبات الاقتصادية وسوء الإدارة والفساد المتفشي الذي تسبب في خسائر فادحة.

وقبل كل ذلك، يعاني الشباب أيضا تحت وطأة القمع الذي يمارسه النظام بشكل يومي.

ويتخوف الإيرانيون من الإعلان عن أنهم يشاهدون قنوات غربية، كهيئة الإذاعة البريطانية، في منازلهم. وتقول شيرين إن كان لديهم طفل “فسيتخوف حتى من أن يقول لزملائه في المدرسة إنهم يشاهدون هذه القنوات في المنزل”.

ورغم أن الأطباق اللاقطة ممنوعة في إيران، لا يكاد يخلو أي بيت من القنوات التلفزيونية التي توفرها.

وهذه الحياة المزدوجة، التي تحمل في أحد وجوهها الرغبة في العيش مع القوانين القمعية ومن وجه آخر محاولة العيش بصورة طبيعية، كانت من الأسباب الرئيسية التي منعت حتى الآن شيرين وحسين من الإقدام على الإنجاب.

وتقول شيرين “لقد ولدنا مسلمين لكن أحيانا لا نعيش كمسلمين ملتزمين. إذا ما أنجبنا طفلا فسيكون عليه التعايش في المدرسة تحت مظلة من الازدواجية التي تنتشر في المجتمع”.

بينما تبذل دول نامية أخرى قصارى جهدها للتقليل من نسبة الإنجاب، تتطلع إيران إلى مضاعفة عدد السكان

وأضافت “اعتقد أنه يمكننا إنجاب طفل حينما يكون بإمكاننا أن نقول في المدرسة نفس ما نقوله في البيت. سننجب أطفالا حينما لا نكون مجبرين على وضع أقنعة على وجوهنا”.

وتحاول السلطات الإيرانية تمرير قوانين لتشجيع الإيرانيين على الإنجاب. وسيجرم القانون رقم 446 الذي يتم مناقشته في البرلمان الآن عمليات التعقيم الاختياري، وسيوقف كل أوجه دعم الدولة لخطط تنظيم الأسرة.

وإذا ما أقر القانون الجديد، فسيتسبب في تمييز واسع تجاه غير المتزوجين في سوق العمل. وتنص المادة التاسعة من القانون الجديد على أنه “يجب على المؤسسات الحكومية والشركات الخاصة على حد سواء ان تقبل بتوظيف غير المتزوجين فقط، في حالة عدم توفر المؤهلين من بين المتزوجين”.

وتطرح السلطات الإيرانية قانونا آخر للمناقشة يشترط على المتزوجين الذين يحاولون الحصول على اعتراف حكومي بطلاقهم، المرور أولا عبر ما يسمى بـ”المشورة”.

وبارنيان غافام، مديرة مكتب قضاء الأسرة والمشورة، هي المسؤولة عن التعامل مع قضايا الطلاق.

وقالت، في تصريحات لصحيفة “ديلي تلغراف” البريطانية، إن هدفها الرئيسي هو التقليل بقدر الإمكان من نسب الطلاق.

وترى غافام أنه من الطبيعي أن “منح المتزوجين وقتا لمناقشة العقبات التي تقف في وجه زواجهم سيؤدي إلى تراجع الغضب والحزن اللذين يسيطران عليهم في هذه اللحظات، وسيكون بإمكانهم وقتها العودة مرة أخرى إلى حياتهم الطبيعية”.

وتقول إن السلطات ستفرض قريبا جلسات مشورة إجبارية على الشباب الذين يتطلعون إلى الزواج، متسائلة “هل تستطيع قيادة السيارة من دون أن تحصل على رخصة قيادة. كيف يمكننا أن نبني حياة سعيدة لهؤلاء من دون حصولهم على تدريب مكثف حول الحياة الزوجية؟”.

12