ذهب إفرنجي في قالب شرقي: المسرح العربي فكرة وأحوالا

الأحد 2014/11/23
المسرح العربي هل انتهج الطريق الذي سار عليه نموذج المسرح الغربي

لم يثبت المسرح الأجنبي، المثال للمسرح العربي، والنموذج، على حال واحدة منذ ولادته في بلاد الإغريق، فقد شهد عبر تاريخه الطويل تبدّلات وتحولات كثيرة، ويُعد كسر وليم شكسبير قوالب الوحدات الأرسطية؛ من زمان ومكان وموضوع، وذلك قبل حوالي أربعة قرون تقريباً، أول تمرد جديّ من نوعه على قواعد هذا الفن، ثم جاء النرويجي هنريك أبسن مع بداية القرن الفائت ليكرَّس تمرد شكسبير على فصل الأنواع ويمزج الكوميديا والتراجيديا في النص الواحد في نوع إبداعي عُرف باسم الدراما، وليكرَّس ما هو أكثر جرأة في هذا المجال، في كتابة الحوار نثراً لا شعراً كما كان متعارفاً ومفروضاً حتى أيامه، وذلك في تكريس لتجربة مسرحية سابقة تحمل اسم “تاجر لندن” لجورج ليللو، ناهيك عن تناول أبسن في مسرحياته لمواضيع جريئة، مثل قضية النسل والوراثة وحرية المرأة، الموضوع الجريء الذي عالجه في مسرحيته الأشهر “الدمية”.


مسارح لا مسرح


وفي القرن التاسع عشر بدأت تجديدات وثورات مسرحية من نوع مختلف، كانت هذه المرة بقيادة المخرج لا الكاتب، السيد الجديد للمسرح، فعرف المسرح تجربة ميرخولد، ومسرحه الشرطي في هذا المجال، ثم تجربة المسرحي الألماني برتولد بريخت، ومسرحه التغريبي، ومسرح القسوة والمسرح الفقير وتجارب أخرى مختلفة، تشترك جميعها، وبخلاف ما سبقها، في هدف واحد هو الصالة، أو الجمهور، شريك العرض، والتي اتخذت، شكلها الأكثر وضوحاً وبلورة في تجربة مسرح المقهورين والمسرح الحي ومسرح الجريدة والواقعة وغيرهم، ومن طريف ما ذهبت إليه بعض التجارب المسرحية المتمردة لتحقيق هذا الهدف، أن وضعت نوعاً من البودرة المثيرة للحكة على كراسي الصالة في مسعى منها لمنع المتفرج الجالس على الكرسي من الاسترخاء والدخول في حالة الاندماج، هذا عدا عن دعوة بعض هذه التجارب لمشاركة المتفرج في الحدث المسرحي. وبشكل فاعل. وكل ذلك من أجل تقريب المسرح من المتفرج وعدم قطع حبل السرة الذي يربط بين المسرح وشريكه الجمهور.

إذا كان المسرح الغربي بكل تاريخه وإرثه، فنياً وجماهيرياً، قد ثار على ذلك الإرث من أجل تجديد علاقته بشريكه الجمهور، فهل انتهج المسرح العربي هذا الطريق الذي سار عليه نموذجه؟


مسرح عربي


منذ أن دخل المسرح الديار العربية مع المحتل الأجنبي، وقدم الرائد مارون النقاش(1817-1855) “بخيله” في بيروت سنة 1848 داعياً في كلمة مشهورة له الجمهور إلى صياغة هذا الذهب الإفرنجي في قالب عربي، وذلك بقصد تقريبه من الذائقة العربية التي تستهويها الأغاني، والرقصات، والحكايات الشعبية، منذ ذلك الحين، و”صاغة الفن” العرب من مخرجين وكتاب في عمل دؤوب لتطويع هذا الذهب في القالب العربي، وسبك قلائد وأساور وخلاخيل تناسب الذوق العربي.

وإذا كانت تجربة مارون النقاش هي الرائدة في تطويع هذا الفن لأسباب حضارية، تلبية لرغبة شريحة اجتماعية ميسورة، فإن الأمر بدأ ينحى باتجاه آخر مع الرائد السوري “أبو خليل القباني” (1833 -1903) الذي أولى القالب العربي عنايته من خلال العودة إلى الحكايات الشعبية والشخصيات التاريخية واستخدام التقنيات المسرحية الشعبية القريبة من أفهام الناس وأذواقهم؛ الأمر الذي لم يرق للرجعية العربية، التي لم تكتف بتحريض الباب العالي للسلطنة العثمانية عليه وإيقاف مشروعه، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك، إمعاناً منها في الإساءة له، فأحرقت مسرحه، وأطلقت الأطفال خلفه أنّى ذهب وهم يرددون هازئين ساخرين:

أبو خليل النشواتي يا مزيف البنات

ارجع لكارك أحسن لك ارجع لكارك نشواتي

أبو خليل من قال لك عالكوميضه من دلك

……

أبو خليل يا مرقص الصبيان..

ارجع لكارك أحسن لك أبو خليل القباني.

ورغم تبدل الأحوال والظروف في المنطقة والانفتاح على الغرب والعالم، لم يستطع قالب توفيق الحكيم ولا سامر يوسف إدريس ولا حتى بساط وحلقة المسرح في المغرب العربي، رغم ما حققه هذا القالب بالذات من نجاحات، أو حكواتي روجيه عساف في لبنان ومسرح الشوك والتسييس في سوريا.. لم تستطع سبك الذهب الإفرنجي في قالب مسرحي عربي، وتقديمه حلياً مسرحياً للمتلقي العربي.

القرن التاسع عشر شهد تجديدات وثورات مسرحية من نوع مختلف


مفتاح العرض


تؤكد كل التجارب المسرحية، وكذلك تاريخ المسرح، أن العرض، لا النص، هو الأساس في العملية المسرحية، وأن المتفرج، لا غيره، هو مفتاح العرض المسرحي، فبوجوده يبدأ العرض، وُيفتتح، ولا يمكن لعرض مسرحي أن يبدأ، ويحقق شروطه، دون المتفرج. وتكاد كل التجارب والتيارات المسرحية بعد القرن العشرين تكون تجسيداً لهذه القاعدة المسرحية الذهبية، وإجابة لها، وإن من منطلقات مختلفة؛ فهل استوعب المسرحيون العرب هذه القاعدة أو القانون حين نهلوا من نبع الغرب المسرحي، قديماً وحديثاً؟ وهل كان الإقبال على مسرح بريخت بهذا الزخم، تأليفاً وإخراجاً، أو على تجربة غيره من مبدعي الفن المسرحي في الغرب، عن وعي؛ وعي بخصوصية المنقول وطبيعة المنقول إليه؟

أعتقد أن المسرح أيضاً، مثل باقي المجالات في شرق المتوسط، اكتفى باستيراد هذا الفن وعرضه في دور مسبقة الصنع إبداعياً، دور العلب الإيطالية القمعية شكلاً، والمنفذة بإشراف السلطات العربية، التي أضفت على قمع البناء الإيطالي حيوية وروحاً، ليصبح ما يفعله هذا المسرح مع شريكه المتفرج أشبه بما كان يمارسه بروكروست على كل من يصادفه في الجبل، وذلك في مسرح لا يشبه سوى نفسه.


محاكمة مسرحية


منذ زمن ، وفي تقليد مشوّه لما يحدث في الحقل المسرحي الغربي، علت صيحات تبادل الاتهامات بين صناع العمل المسرحي، وعن سبب الأزمة التي يعيشها المسرح العربي، وكالعادة، كان لا بد من اختيار الضحية، أو الكبش، فكان الكاتب، صاحب الكلمة التي حفظت المسرح قروناً، أول القرابين، إذ سرعان ما علت أصوات من داخل جدران المسرح تدعو إلى موت هذا المستبد العجوز، في ترديد مغلوط لصدى دعوة غربية جاءت على لسان رولان بارت، وكان من الطبيعي أن يحتل المخرج مكانه، ليمارس هو الآخر دوراً استبدادياً، سرعان ما ظهر بعد زمن ليس بطويل من يدعو إلى استبعاده هو الآخر ممثلاً هذه المرة بالسينوغرافي.

وفي اتهام الصالة لضيق أفق الخشبة، واستخدام لغة مسرحية غير مفهومة، غريبة ومتعالية ومشوشة، كال أهلُ المسرح اتهامهم للجمهورَ بالكسل الفكري والتخلف وعدم الجدية.

أعتقد أن كل تلك الاتهامات، رغم صحة بعضها، بهذا القدر أو ذاك، يعود مصدرها إلى طبيعة بلاد شرق المتوسط التي دجنت المسرح في حظيرة مؤسساتها، فعزلت المسرح عن توأمه وشريكه، وحوّلت الفنان إلى موظف، والعرض إلى نشاط، والمهرجانات إلى استعراضات، والنصوص إلى ثرثرة تدور حول مواضيع عامة لا تعني أحداً، أو حالات فردية صرفة، كما هو الحال مؤخراً في المسرح التجريبي.

يطول الحديث عن أسباب تخلف علاقة المسرح بجمهوره ومسبباته، والتي كانت وراء كل تلك النظريات المسرحية الغربية التي تمردت على ما سبقها من مدارس ومناهج. بيد أن ما يمكن الجزم به، والـتأكيد عليه، وكما فعلت الاتجاهات الجديدة، هو إعادة الاعتبار للمتفرج، ليس كوجود مادي في الصالة، أو معنوي يشاهد معاناته مجسدة على الخشبة وحسب، بل كسيد للعرض، سيد يبدأ العرض به، وينتهي لحظة غيابه.

قد لا نغالي في القول حين نؤكد أن هذا النوع من العلاقة لا يمكن له أن يتم ويتحقق إلا في بلد الطفل فيه هو محور العملية التربوية لا المعلم أو المنهاج أو الحزب الحاكم، والمواطن سيد لا رعية لراع اسمه الزعيم والقائد. بلد لا يشبه في شيء بلاد شرق المتوسط.. الآن وهنا.


كاتب ومسرحي سوري مقيم في تركيا

11