ذهب فان غوغ

الجمعة 2018/02/02

أفيد بأن الرئيس الأميركي دونالد ترامب طلب من متحف غوغنهايم الأميركي للفنون المعاصرة استعارة لوحة للفنان الهولندي فانسان فان غوغ تحمل عنوان “مشهد لمنظر طبيعي ثلجي” من أجل تعليقها في البيت الأبيض.

ويُعد هذا النوع من الطلب عاديا جدا، إذ أن العديد من الرؤساء الأميركيين طلبوا استعارة لوحات من اختيارهم الشخصي، فعائلة كندي طلبت استعارة لوحة للفنان أوجين دولاكروا، أما الرئيس براك أوباما الذي يحب الفن التجريدي فقد طلب استعارة أعمال فنية لمارك روتكو ولغاسبر جونز، وقد تمّت تلبية طلباتهم.

ومع ذلك لم يُلبّ طلب الرئيس الأميركي الحالي بالشكل الذي أراده تماما، فقد رفضت نانسي سبيكتور، رئيسة أمناء متحف غوغنهايم، الطلب متذرّعة بأن هذا العمل للفنان غوغ ممنوع نقله إلاّ لأسباب قاهرة، وقد أعلن بعد شهر أن العمل الفني تم نقله إلى إسبانيا لعرضه في متخف تابع لمتحف غوغنهايم.

غير أن نانسي سبيكتور أكدت للبيت الأبيض بأن الرئيس يمكنه بدلا من استعارة عمل فان غوغ، استعارة ولفترة مفتوحة الأمد لعمل فني معاصر وهو مرحاض 18 قيراطا للفنان موريتسيو كاتيلان.

يُذكر أن هذا المرحاض حمل اسم “أميركا”، أثناء عرضه في متحف غوغنهايم في أيلول 2016، وكان متاحا للاستخدام العام، وأوضحت نانسي سبيكتور أنّ بعد انتهاء فترة العرض أصبح مرحاض “أميركا” متاحا “إذا كان الرئيس والسيدة الأولى مهتمّين بتركيبه في البيت الأبيض”.

أما الفنان صاحب العمل الفني المعاصر فقد أضاف أن المرحاض الذهبي كان يعدّ بصورة ما، إيماءة إلى نافورة مارسيل دوشامب 1917، الذي كان في الأصل مبولة، وأن فكرة تنفيذه خطرت على باله قبل صعود ترامب السياسي، وأضاف قائلا “ربما كان صعوده يلوح في الأفق”.

ويُعتبر المرحاض الذهبي من لحظة تقديمه في متحف غوغنهايم عملا مفهوميا وتفاعليا، إذ تم استخدامه من قبل آلاف الزائرين للمتحف.

وصرّح بعض النقاد بأنه عمل ينتقد الغنى الفاحش في أميركا وكيفية استخدامه من قبل مالكيه، ولا غرابة في هذا التأويل عندما نعرف بأن صانع هذا العمل نشأ فقيرا في مدينة بادوفا بإيطاليا، وكان ابنا لسائق شاحنة وعاملة نظافة.

وحول ماهية هذا العمل ولماذا أراد تقديمه للرئيس دونالد ترامب أجاب الفنان “أترك تفسير هذا العمل للمشاهدين، ولكن بوسعي أن أجيب بسؤال آخر، ماذا تعني لنا الحياة؟ كل شيء يبدو عبثيا، وتتوقّف عن كونها كذلك عندما نموت، حينها فقط يصبح للأمور معنى”.

يأخذنا كلام كاتيلان إلى ما قاله الفنان الفرنسي مارسيل دوشان سنة 1964 “لطالما لفتُ انتباه الناس إلى أن الفن سراب، سرابٌ تماما كما تتراءى واحة لنا في الصحراء، وهو أمر جميل جدا حتى نموت عطشا طبعا، لكننا لا نموت عطشا في حقل الفن.. السراب متينٌ”.

يقول الفنان موريتسيو كاتيلان في مقابلة أخرى “قد يعتقد الناس بأن هذا العمل مزحة، ولكني لا أراها مزحة”، تماما كما لم ير الفنان دوشان في “النافورة” أيّ مزحة أو استخفافا بالمشاهدين.

ومارسيل دوشان هو فنان قدّم سنة 1917 عمله الفني الثوري “النافورة” الذي لم يكن إلاّ مبولة اشتراها ووقّع على إحدى جهات قاعدتها اسمه المستعار، وكان يومها تعليق لجنة التحكيم التي عُرض عليها العمل بأنّ صاحبها “جبان وقذر”.

هكذا “مزحات” تحوّلت بفعل ما نعيشه إلى أعمال مفهومية تستحيل قراءتها عبر الاستعانة بمصطلحات الجمال التقليدية.

عمل فني كالمرحاض الذهبي عبر “سيرته الذاتية” التي تتلخّص بعرضه في متحف معاصر، ومن ثم عرضه على البيت الأبيض كبديل عن عمل الفنان فان غوغ الذي هو الآخر عاش فقرا مدقعا، وانتقاله إلى الرئيس “الجدلي” دونالد ترامب يجيب على أحد أهم الأسئلة المطروحة على الفن المفهومي: هل يمكن للفن المفهومي المُعاصر أن يكون سياسيا أو يندرج في سياق سياسي معيّن؟ نعم يُمكنه ذلك، وبقوة.

ناقدة لبنانية

17