ذهنية التحريم عند الكتاب العرب

ما هو مطلوب في الكتابة العربية والمغاربية ليس تحريم أو تجريم الانتقال من جنس أدبي إلى آخر، فالمطلوب هو الدفاع عن حرية الكتابة وحرية التفكير.
الأحد 2018/05/20
الدفاع عن حرية الكتابة (لوحة: أسامة بعلبكي)

خلال العشرية الأدبية الأخيرة، طغت ظاهرة غريبة على سطح الممارسة الأدبية وعلى سلوكيات المبدع العربي والمغاربي، وتتمثل هذه الظاهرة في الدعوة إلى تشديد جمارك الحدود ما بين الأجناس الأدبية، والمطالبة بتقوية الحواجز العالية والأسلاك الشائكة ما بين الأجناس الأدبية، والفصل النهائي ما بين الممارسين لهذا الجنس الأدبي وذاك.

لقد ارتفعت الكثير من الأصوات الروائية العربية والمغاربية خاصة المستنكرة الدخول “غير الشرعي” لبعض الشعراء أو النقاد ساحة ممارسة كتابة الرواية، وطالبت بإعادة هؤلاء المهاجرين غير الشرعيين وفورا إلى “قطاعهم”، قطاع “الشعر” أو قطاع “النقد”، والتشديد عليهم بمحاصرتهم في هذين القطاعين حتى لا يفكروا ثانية في ممارسة الكتابة الروائية.

بهذه الدعوة الغريبة تمثل هذه الأصوات نظرة “سلفية” حتى ولو كانت “تتزين بمظهر الحداثة” فهي تريد أن تبقي على الثقافة العربية داخل التجريب الأحادي، وهي تنتمي إلى فكر إقصائي، يرى في أن كل من يبدأ الكتابة في الشعر عليه أن يقضي حياته في الشعر، ولا يحق له بالمطلق الانتقال أو التجريب في كتابة الرواية، ومن يكتب القصة القصيرة أو المسرح أو النقد لا يحق له مطلقا الاقتراب من باب الرواية التي يحرسها زبانية يملكون سلاسل طولها سبعون ذراعا وأكثر.

بهذه العقلية يبدو المثقف العربي والمغاربي على السواء، خاصة من الذين يكتبون بالعربية، أنه يعيد إنتاج صورة الفقيه في المجال الإبداعي، ويكرس مبدأ “التحليل” و”التحريم” و”التكفير” في باب الكتابة الأدبية التي هي ضدّ هذه الترسانة من المفاهيم المعادية للحرية الفردية ومناهضة للفكر الحداثي الذي أساسه التجريب، الهدم والبناء.

ولعل سبب استنكار ونفور وتذمر بعض الروائيين من انتقال بعض كتاب الأجناس الأدبية إلى الرواية أساسه ظاهرة “الجوائز” التي باتت تحظى بها الرواية أكثر من غيرها من الأجناس الأخرى، فهم يعتقدون بأن الزحف “الشعري” أو “النقدي” على قطاع الرواية يقلل من حظوظ هؤلاء الروائيين الذين “أبلوا بلاء حسنا أو سيئا”، طويلا أو قصيرا، في حصولهم على الجوائز المخصصة للرواية.

مثل هذه الأمراض الغربية في الحقل الإبداعي تشل من تجدد النصوص وتهوئة الحياة الإبداعية وتحد من انفتاحها على التجريب، وهي أمراض ثقافية تكرس أيديولوجيا “الزعامة” وتعيد إنتاج “المشيخات” الأدبية التقليدية، وتنعش الشللية الثقافية ولا تفتح المجال أمام الأجيال الجديدة للممارسة الإبداعية الحرة بعيدا عن “الغيطوهات” التي تأسست في الثقافة العربية والمغاربية المكتوبة بالعربية.

 تاريخ الثقافات الأدبية العالمية التي عاشت حالة من الانتعاش الإبداعي المتجدد والحيوي بينت لنا بأن الممارسة الأدبية لجنس أدبي معين من قبل كاتب ما “قدر إلهي” أو “حكم بالمؤبد” لا يمكنه التحرر منه، وعليه أن يظل في “قفص” هذا الجنس أو ذاك حتى يوم القيامة، ففيكتور هيغو كان شاعرا وروائيا، وألفريد دو موسيه كان شاعرا ومسرحيا وأراغون كان شاعرا وروائيا وجان بول سارتر كان فيلسوفا ومسرحيا وروائيا وألبير كامو كان روائيا وفيلسوفا وناقدا وهمينغواي كان روائيا وصحفيا والدعوة إلى العيش في غيتو جنس أدبي واحد عند العرب والمغاربة الذين يكتبون بالعربية هو نتاج هيمنة عقلية “الفقيه” وما ينتج عنها من “تحريم” و”تكفير” و”تحليل”.

فكما الكتابة في جنس أدبي معين تشترط الحرية، فإن حرية الانتقال من جنس أدبي إلى آخر هي جزء من ممارسة حرية الكتابة، وحرية العبور بين جنس أدبي وآخر مكفولة ويجب الدفاع عنها.

وما هو مطلوب في الكتابة العربية والمغاربية ليس تحريم أو تجريم الانتقال من جنس أدبي إلى آخر، فالمطلوب هو الدفاع عن حرية الكتابة وحرية التفكير وحرية واستقلالية الكاتب المبدع أولا وقبل كل شيء، وما هو مطلوب ثانية أيضا هو جودة الكتابة وجديتها بعيدا عن أي حدود وهمية أو مخافر شرطة حدود تقام بين الشعر والرواية أو بين الرواية والمسرح أو بين المسرح والقصة.

10