ذو النون المصري متصوف يحل رموز الهيروغليفية

الأحد 2014/09/07
عقرب وضفدع كانتا سببا في اتجاه ذي النون المصري إلى سلك طريق التصوف

لا عجب أن تأتي مصر بصوفي من طراز ذي النون فهذه الأرض مواتية جدا للتصوف فبواد واسعة وفقر حال وصدق وبساطة كل ذلك يقدم جواً وبيئة مناسبة للتصوف فلا توجد قرية أو مجينة أو حي أو نجع إلا وفيه أتباع طبقة من الطرق الصوفية حتى أن عدد الأتباع فيه ليبلغ اليوم عشرة ملايين شخص.

كان ذو النون أول من غرس بذور التصوف بمعناه الفني الاصطلاحي في مصر، وكان أول من تكلم من الصوفية عمومًا في علوم المقامات والأحوال، يقول عنه الجامي “وكان ذو النون المصري رأس الصوفية أول من استعمل رموز الصوفية فرارًا من اعتراض المعترضين”.

لكن ذا النون من معتدلي الصوفية، وهو يتحدث في مقالاته عن المعرفة الإلهية أكثر من تحدثه عن الاتحاد والوصول. إضافة إلى ذلك كان من الحاذقين في صناعة الكيمياء وتعلم السريانية ومحاولة فك رموز البردي في أخميم، كما أنه روى عن مالك أحاديث عديدة، وكان يرى أن الحديث من أركان الدين وعني بطهارة النفس وصفائها وصولا إلى الكشف والإلهام.


معاناة الصوفية وذو النون


قال السلمي في “محن الصوفية”: “ذو النون أول من تكلم ببلدته فأنكر عليه عبد الله بن عبدالحكم ، وهجره علماء مصر. وشاع أنه أحدث علما لم يتكلم فيه السلف، وهجروه حتى رموه بالزندقة. فقال أخوه: إنهم يقولون: إنك زنديق .

فقال: ومـا لي سـوى الإطراق والصمت حيلة”، وعلى شاكلة فقهاء السلاطين في كل عصر أنكر بعضهم على ذي النون كلامه وحاله فشكوه إلى المتوكِّل موقعين به فاستدعاه المتوكل من مصر، فلما دخل عليه وعظه فبكى المتوكِّل وردَّه إلى مصر مكرَّماً، وكان المتوكل إذا ذُكر بين يديه أهل الورع يبكي ويقول: “إذا ذكر أهل الورع فجهلاً بذي النون”.

أبو الفيض ذو النون المصري واسمه ثوبان بن إبراهيم الأخميمي، وقيل الفيض بن إبراهيم، وأبوه كان نوبياً ولد في صعيد مصر، تلقى علومه في بلاد النوبة، وتعرف على مناهج التفكير كلها، وعندما بلغ سن الشباب كان قد ألمّ بكثير من العلوم، فحفظ القرآن الكريم، وتعرف على المذاهب المختلفة وتأثر بموطأ مالك. وتتلمذ على مشايخ معروفين في عصره أهمهم الإمام مالك بن أنس وإسرافيل العابد المغربي وفاطمة النيسابورية التي لقيها في مكة، وكان نحيلاً تعلوه حمرة ولم يكن في لحيته بياض على ما يرويه البعض.

كان ذو النون من معتدلي الصوفية، وهو يتحدث في مقالاته عن المعرفة الإلهية أكثر من تحدثه عن الاتحاد والوصول، إضافة إلى ذلك كان من الحاذقين في صناعة الكيمياء وتعلم السريانية ومحاولة فك رموز البردي في أخميم


العقرب والضفدع


يحكى عن سبب سلوك ذي النون منهج الصوفية أنه روى لصحبه القصة التالية: ” كنت يومًا على شاطئ النيل فرأيت عقربًا فأردت قتلها فهربت وركبت على ظهر ضفدعة، فقامت بها حتى وصلت إلى الجانب الآخر، فنزلت عن ظهرها، فإذا برجل نائم وهو سكران وثعبان قد أقبل ليلدغه، فأسرعت العقرب نحو الثعبان فلدغته فتقطع، فأيقظت الرجل فنهض مذعورًا، فأخبرته فطرق ثم قال: يا رب هكذا رحمتك على من عصاك، فكيف بمن أطاعك، فوعزتك لا أعصينك أبدًا”.

فقصد بعد هذه الحادثة وسواها رجلاً منقطعاً في المقطّة فلبث عنده أربعين يوماً، ويتابع ذو النون قائلاً: “ثم سألته فيم النجاة؟ فقال: في التقوى والمراقبة، قلت: زدني، قال: إن لله عبادًا حالفوه فسقاهم كأسا من محبته فهم في شرابهم عطاشى، وفي عطشهم سكارى” ونزل ذو النون من المقطم ليبدأ رحلاته بحثًا عن التقوى والمراقبة.


كرامات


وقال محمد بن الفرخي: “كنت مع ذي النون في زورق ، فمر بنا زورق آخر، فقيل لذي النون: إن هؤلاء يمرون إلى السلطان ، يشهدون عليك بالكفر. فقال: اللهم إن كانوا كاذبين، فغرقهم، فانقلب الزورق، وغرقوا. فقلت له: فما بال الملاح؟ قال: لم يحملهم وهو يعلم قصدهم؟ ولأن يقفوا بين يدي الله غرقى خير لهم من أن يقفوا شهود زور، ثم انتفض وتغير، وقال: وعزتك لا أدعو على أحد بعدها”.

وروى بعضهم ” خرجت إلى شط نيل مصر فرأيت امرأة تبكي وتصرخ فأدركها ذو النون فقال لها: مالك تبكين؟ فقالت: كان ولدي وقرة عيني على صدري فخرج تمساح فاستلب مني ولدي. قال فأقبل ذو النون على صلاته وصلى ركعتين ودعا بدعوات، فإذا التمساح خرج من النيل والولد معه ودفعه إلى أمه قال أبو عبدالله فأخذته”.

نقل العالم المصري عكاشة الدالي الذي يعمل محاضرا في جامعات لندن ومتحف بيتري في إنكلترا أن أيوب ابن مسلمة والصوفي ذو النون المصري وجابر بن حيان وأبو بكر بن وحشية وأبو القاسم العراقي ساهموا في فك طلاسم الخطوط المصرية


مع رجل غريب


مما روي عن ذي النون أن أحد طلابه قال له: “يا أستاذ أنا رجل غريب وقد اشتقت إلى أهلي وقد خدمتك سنة وقد وجب حقي عليك، وقيل لي إنك تعرف اسم الله الأعظم وقد جربتني وعرفت أني أهل لذلك، فإن كنت تعرفه فعلمني إياه. قال: فسكت ذو النون عني ولم يجبني بشيء وأوهمني أنه لعله يقول لي ويعلمني ثم سكت عني ستة أشهر فلما كان بعد ستة أشهر من يوم مسألتي إياه قال لي: يا أبا يعقوب أليس تعرف فلانا صديقنا بالفسطاط الذي يجيئنا؟ -وسمى رجلا- فقلت: بلى! قال: فأخرج إليّ من بيته طبقا فوقه مكبة مشدود بمنديل فقال لي: أوصل هذا إلى من سميت لك بالفسطاط. قال فأخذت الطبق والأدوية فإذا طبق خفيف يدل على أن ليس في جوفه شيء، فلما بلغت الجسر الذي بين الفسطاط والجيزة قلت في نفسي: ذو النون يوجه إلى رجل بهدية وهذا أراه طبقا خفيفا لأبصرن أي شيء فيه. قال: فحللت المنديل ورفعت المكبة فإذا فأرة قد قفزت من الطبق فمرت. قال: فاغتظت وقلت إنما سخر بي ذو النون ولم يذهب وهمي إلى ما أراد في الوقت. قال: فجئت إليه وأنا مغضب فلما رآني تبسم وعرف القصة، وقال: يا مجنون ائتمنتك في فأرة فخنتني فهل أأتمنك على اسم الله الأعظم. قم عني فارتحل ولا أراك بعد هذا”.


ذو النون الرحالة


قصد الشام ومكة لكنه استقرّ في الجيزة قرب القاهرة وراح يعقد في المسجد حلقات علم وكتب العديد من المؤلفات أشهرها كتاب “الركن الأكبر” وكتاب “المجربات” وكتاب “العجائب” و”أشعار في حجر الحكماء”.

ويتحدث ذوالنون عن رحلاته فيقول: “ارتحلت ثلاث رحلات وعدت بثلاثة علوم، أتيت في الرحلة الأولى بعلم يقبله الخاص والعام، وأتيت في الرحلة الثانية بعلم قبله الخاص ولم يقبله العام، وأتيت في الثالثة بعلم لم يأخذ به الخاص ولا العام فبقيت شريدًا طريدًا وحيدًا”. يشرح ذلك أحد الدارسين فيقول: “وكان الأول علم التوبة وهو علم يتقبله الخاص والعام، وكان العلم الثاني علم التوكل والمعاملة والمحبة يقبله الخاص لا العام. والثالث هو علم الحقيقة الذي لا يدركه علم الخلق ولا عقلهم فهجره الناس وأنكروه عليه، حتى انقضت أيام حياته”.


فقه اللغة الهيروغليفية


في بحث لعكاشة الدالي وهو عالم عربي مصري يعمل محاضرا في جامعات لندن ومتحف بيتري في إنكلترا يقول إن أيوب ابن مسلمة والصوفي ذو النون المصري وجابر بن حيان وأبو بكر بن وحشية وأبو القاسم العراقي ساهموا في فك طلاسم الخطوط المصرية قبل وصول الحملة الفرنسية إلى أرض مصر عام 1789 بألف سنة على الأقل، وكان ذو النون يفهم معانيها وينقل ما فيها من أفكار إلى الناس.

وكان ذو النون المصري يقول لتلاميذه، وهو يوصيهم: “جالس من تكلمك صفته، ولا تجالس من يكلمك لسانه”، ويقول منشداً: “أموت وما ماتت إليك صبابتي/ولا رويت من صرف حبك أوطاري”، وسأله رجل: “متى تصح عزلة الخلق”؟ فقال: “إذا قويت على عزلة النفس″. ويقول ذو النون: “من تذلل بالمسكنة والفقر إلى الله رفعه الله بعز الانقطاع إليه”، ويقول: “لا تسكن الحكمة معدة مُلئت طعاماً”.

9