"ذيب" متاهة طفل صغير أغتيلت براءته في الصحراء

ربما كانت السياسة والحديث عن التاريخ هدفين خفيين وراء ما هو أسمى، فعندما تتحول الطفولة من ملامح البراءة إلى عقلية ناضجة أكثر وعيا وقوة، فلابد أن يستوقفك الأمر ويلفت انتباهك، وهو ما بحث عنه الطفل “ذيب” في رحلته داخل متاهة الصحراء الكبرى.
الثلاثاء 2015/07/14
"ذيب" صور وسط طبيعة جبلية بدت كأنها لوحة فنية

فيلم “ذيب” الأردني الذي بدأ عرضه مؤخرا بدور السينما المصرية، بعد رحلة طويلة طاف خلالها مهرجانات دولية عدة، لم يحصد فيها مجرد جوائز دولية، لكن نال نجاحا جماهيريا ضخما، تكلل بحشود وقفت أمام شباك التذاكر أملا في الحصول على فرصة المشاهدة.

نجاح “ذيب” الجماهيري ارتبط بحالته الخاصة والمتفردة، فهو بمثابة لوحة سينمائية جمعت بين المقومات التي تبحث عنها أفلام مهرجانات تتمتع بصفة دولية، وبين ما يريده مشاهد عادي يبحث عن هويته العربية، ويقترب بها من فئة قليلة الحديث عنها في السينما العربية.

“ذيب” هو رحلة في صحراء وادي رم بالأردن إبان حدوث “الثورة العربية الكبرى” التي اندلعت عام 1916، حيث الصراع بين السلطة العثمانية والأطماع البريطانية في المنطقة، يظهر خلالها جمال طبيعة “البادية” بشتات أراضيها، وتدرج ألوان رمالها التي تظهر فيها على مسافات بعيدة بعض النباتات الصغيرة.

لم يكن اختيار كاتب الفيلم باسل غندور اسم “ذيب” مجرد عنوان عابر، فقد كان أكثر وعيا ليعبر بصدق عن مضمونه، فالذئب هو رمز للشجاعة التي صاحبت الطفل بطل العمل، فالمشاهد تبدأ بتعليم شقيقه الأكبر له كيفية استخدام البندقية، وإطلاق النار كطبيعة الفطرة التي ينشأ عليها رجال الصحراء.

ويندفع الصغير نحو رحلة يقودها شقيقه الأكبر كـ”دليل” لأحد الضباط البريطانيين الذي يبحث عن بئر مهجورة في “وادي رام – جنوب الأردن”، يقود الكبار الجمال، بينما يلحقهم الصغير بحمار صغير يضطر لتركه والسير على أقدامه لاحقا بهم.

الرحلة لا تنتهي بالوصول إلى البئر، حيث تقوم مجموعة من اللصوص وقطاع الطرق بمهاجمتهم ليقتل الجميع، ويبقى “ذيب” وحده في الصحراء الشاسعة، يخدعك مخرج الفيلم ناجي أبو نوار بزوايا كاميراته الخاطفة، والتي تلاءمت مع ارتفاع أصوات الموسيقى التي يحبس معها الأنفاس، بأن “ذيب” انتهت قصته بسقوطه في البئر، لكننا نفاجأ أن رحلة الفيلم تبدأ مع نجاة الطفل الذي يتصادف أن يستكمل رحلته مع قاتل شقيقه، فيقوم بقتله في نهاية الأحداث.

(ذيب) يقدم لوحة سينمائية تجمع مقومات أفلام المهرجانات الدولية، وما يريده مشاهد عادي يبحث عن هويته العربية

ينجح مخرج “ذيب” في نقل صورة واقعية تعبر عن طبيعة أهل البادية في ذلك الزمن البعيد، وتكلل ذلك باستقدامه شخصيات حقيقية لتقوم ببطولة الفيلم، ليكونوا أكثر تعبيرا بلهجاتهم البدوية، وأكثر قربا من عاداتهم وتقاليدهم، ويشاركه النجاح مصممة الملابس جميلة علاء الدين، التي رصدت تلك الحقبة الزمنية وكأنها عاشت فيها سنوات من عمرها.

لعل الطفل جاسر عيد أو “ذيب” هو التحدي الأكبر في هذا العمل، فقد استطاع أن يعبر بملامح صادقة عن مخاوفه ولحظات رعبه، خلال رؤيته لمشهد قتل شقيقه أمام عينيه، وتظهر تحديات جاسر في اعتماده الأكبر على نقل لحظات فضوله وترقبه للمشهد بعينيه التي تزوغ بين اليمين واليسار تستطلع مستقبله الذي قرأ فيه ملامح رجولته مبكرا.

رحلة “ذيب” مكنته من معرفة أن للحياة حسابات أخرى، فرغم أن اكتمال حياة الصغير ارتبطت بقاتل شقيقه ليخرجه من متاهة الصحراء، إلاّ أنها جعلته ينظر إليها بمنظور آخر، ليتأكد أن مثل هؤلاء الأشخاص لا يمكن الوثوق بهم، وأن الصدق صفة بعيدة عن أخلاقهم، ما يجعله يقتله في نهاية الأحداث.

ذكاء الكاتب يظهر في البعد الذي تناول به مضمون فيلمه، وخرج به من المأزق الذي ربما كان سيضعه فيه البعض، فالمرحلة الزمنية التي تحدث عنها العمل، بما فيها من عادات تفرضها البيئة البدوية، حولت “ذيب” من طفل صغير إلى رجل شديد الوعي والذكاء، انتقم لثأر شقيقه في النهاية، وهو ما لا يتلاءم مع مقتضيات القرن الحالي الذي اختلفت فيه الأوضاع السياسية بالمنطقة، وكانت بالتأكيد تنعكس على مستوى تفكير وثقافة أهل البادية.

الدرس القاسي الذي قلب حياة “ذيب” رأسا على عقب، لعله يداعب فكر بعض الأطفال خصوصا من يعيشون وهم أساطير اللصوص، وأنهم أصحاب القوة على مر الزمان، فالنهاية التي كتبها الفيلم ربما تغير مثل هذه الأفكار في عقولهم.

ويؤكد فيلم “ذيب” الذي اعتبره كثيرون واحدا من كلاسيكيات السينما الحديثة على وعي مخرج واعد في أولى تجاربه الروائية الطويلة، حيث قام بالتحضير للعمل على مدار عامين، اجتهد فيها باختياره لقرية “الشاكرية” التي صورت فيها أحداث الفيلم، ليبقى أكثر وعيا بتفاصيل صورته التي بدت على الشاشة، وكأنه يرسم “لوحة طبيعية”.

بالإضافة إلى قيامه بعمل ورش تدريب لمجموعة الممثلين الذين تم اختيارهم من الوادي، بل يستمر التحدي في إقناع وجوه تعيش في الصحراء بالإقدام على خطوة التمثيل وسط تحفظات نشأوا عليها بالطبع بحسب طبيعة المنطقة.

16