رأس القرد

الأربعاء 2017/07/26

هكذا كانت تقول جدتي عند أي موقف لا يعجبها، فلا أملك إلا البحث عن هذا “الكائن” الذي كان يزور قريتنا مع عمّ "حسّونة" القرداتي.

لا أذكر بالضبط إن كانت رأسه “حمرا” أم لا كما يشيعون.. لكن عزمت على التأكد مستقبلا، وعندما جاء بعد أسابيع، كان وحيدا ويجر سلسالا خاليا، جلس أمام الباب وبكى: القرد ماااااات يا حاجّة. ثم أكمل: وجدته منتصف الليل “ينط يمين وشمال”، حاولت أفهم.. دون أي فائدة.

فقالت جدتي وهي تضحك: من كثر “نوم العازب يا منيِّل!”.

أمسك بعصاه وأردف: أبدا والله.. كنت أفكر في تزويجه، وجلست أبحث على “قِردة” بنت أصول تناسبه، فلكزته جدتي ساخرة “مش لما تتجوز أنت الأول”. فطأطأ رأسه خجلا وقال “ومن هذا الذي يزوِّج ابنته لـ"قرداتي"يا خالة؟".

ولأني لم أستوعب عمق المشكلة الاجتماعية، تبرَّعت بشقاوة الطفولة وقلت: يمكن لأن رأسك “مش حمرا”؟ فنهرتني جدتي، فيما استشاط الرجل مهددا: والله لأشكوك للحكومة! هنا صرخت، فالحكومة في قريتنا ليست إلا "عم إبراهيم" خفيرها الذي يمشي بخيلاء، ويُرعب من يراهب بندقيته وعمامته الضخمة التي تجلل رأسه، تخفي تحتها “صلعة” تحمل كل مآسي الكرة الأرضية.

ذات مرَّة وأنا ألعب الكرة، ركلتها بشدة، لتصطدم برأسه، تقع العمامة على الأرض، فيظهر ما تحتها أبيض من غير سوء، ليصفق الصغار مهللين، فيثور “عم إبراهيم” ويمسك الكرة، ويفجَّرها بطلق ناري، فزعت منه القرية، بينما هرولت لأختبئ خوفا من علقة ساخنة تنتظرني على يد أبي.. إذ كانت تهمتي كما أقسم عم إبراهيم تتمثل في إهانة الحكومة.

لم أكن أعرف يومها.. معنى كلمة إهانة، ولا حكومة، ولا رئيس جمهورية، ولا رئيس وزراء ولا وزير ولا محافظ.. كنت أعرف فقط عم إبراهيم! لذا أمرني والدي بالاعتذار له وأن أقبِّل رأسه. اقتربت منه وما أن تذكرت “صلعته البهية” حتى انفجرت بالضحك، فلطمني على وجهي!

وهنا، شددت عم حسونة من جلبابه، محاولا تقبيل يديه، وأنا أبكي متوسلا “رأسك أبوسها”.. فأومأ رافضا قبل أن يضربني بعصاه ويمضي.

بعد سنوات، وعندما كبرت، كنت قد نسيت الحكاية، ولكن الرئيس “الإخوانجي” مرسي ذكرني بها قبل سنوات وفي فترة حكمه السوداء، عندما تساءل في خطاب ممجوج: إذا مات القرد.. فماذا سيفعل القرداتي؟

ضحكت بشدة، وعرفت فيما بعد أنها ليست مشكلة “رأس القرد”.

يا للخجل…! هذا أمر صعب ذكره، خشية وحذرا من الرقابة!

24