رأس المال الرخيص لا يحفز الاستثمار

الجمعة 2014/03/21

إذا كان الإفراط في المديونية هو المحفز للأزمة المالية، فلا يمكن للتسهيل الكمي أن يخفف السبب الجذري في حد ذاته، لكن الحكمة المستفادة هي أن المريض نجا من موت محتم، وتم تفادي الركود العالمي الطويل، وأصبحت الحاجة إلى إعادة تأهيل اقتصادي .

وتبدو أمراض الاقتصاد العالمي لا تزال بعيدة عن العلاج، لأن الأثرياء والمتقاعدين الذين يعيشون على الأصول بدلا من الأجور يعانون ركودا كبيرا بسبب أسعار الفائدة المتدنية، التي ألحقت الضرر بالمدخرات لمدة خمس سنوات.

في المقابل أخفقت الأجور في مواكبة التضخم، واتسع عدم المساواة، وكان التضخم في أسعار الأصول صعبا بشكل خاص على الشباب، والناس الأشد فقرا خصوصا بعد ارتفاع أسعار المنازل على نحو يجعلها بعيدة المنال.

ويرى البعض أن سياسة التسهيل الكمي هي سياسة أغنياء من أجل أغنياء آخرين، وأن واضعي السياسات نسوا توفير فرص الاستثمار حتى يمكن العودة إلى النمو بشكل أسرع. فعلى سبيل المثال لا يزال الاستثمار الحقيقي في بريطانيا عند 20 بالمئة من ذروته قبل الأزمة المالية قبل خمس سنوات، مما أدى إلى تراجع جميع القطاعات الإنتاجية في بريطانيا.

تم استحداث وظائف جديدة، ولكنها منخفضة الأجر. فقد أوجدت المال السهل سيولة رخيصة، وليس رأس المال المنتج لأن المال الرخيص محصور في الميزانيات العمومية للشركات والبنوك المعرضة للانهيار، مما فاقم في الواقع عدم الاستقرار الاقتصادي.

لقد رفع التسهيل الكمي ثمن الاستهلاك، ولم يرفع لرأس المال المنتج، مما تسبب في انتعاش غير متوازن. ويبدو الاستثمار في بريطانيا في حالة ركود، ولم يحدث قفزة في الصادرات على الرغم من هبوط العملة. كما أن الارتفاع الحاد في أسعار الواردات وضع عراقيل أمام المنتجين المحليين، بسبب ركود الاستثمار الذي يحرك الإنتاجية.

لم تستفد بريطانيا من أسعار الفائدة الرخيصة في تمويل الاستثمار الرأسمالي في البنية التحتية حسب نظرية كينز، وتشجيع استثمار الشركات والمؤسسات كي تتمكن بريطانيا من بناء سوق رأسمالية أعمق مثل الأسواق الرأسمالية القوية في الولايات المتحدة، بدلا من اعتماد بريطانيا على المصارف الكبيرة التي ينقصها رأس المال الكافي.

ما فعله التسهيل الكمي هو رفع أسعار الأصول بينما كان يفترض تجنب الإفراط في أسعار الأصول وأن يتجه بدلا من ذلك الاحتياطي الفيدرالي إلى الحد من نمو الديون، لأن سبب الأزمة المالية هو الإفراط في الديون وخصوصا في ديون القطاع الخاص.

ولا تستطيع أداة واحدة أن تصيب هدفين في آن واحد، هما أسعار الأصول والأسعار الاستهلاكية، لأن المشكلة الأساسية هي في الديون المفرطة وأسعار الأصول العالية التي يجب التصدي لهما.

السمعة المعيارية لجميع القوانين التي اتخذت منذ حدوث الأزمة المالية تقريبا تكافئ تمويل الديون وتعاقب التمويل بحقوق الملكية، وكان يفترض التصدي للحوافز الضريبية بدل الإفراط في الديون.

هناك مشكلة مع الجمود طويل الأمد الذي ينبغي التفكير فيه، ولعل أخطر أمر يمكن أن يصيب شركة ما هو أن تخسر حصتها السوقية نتيجة المبالغة في تسعير اأصول على المدى القصير، وعدم دخولها في الاستثمار بكثافة من أجل المستقبل.

ما تم فعله هو صراع بين المصالح على المدى القصير والمصالح على المدى الطويل، سيكون هناك إسفين كبير بين تكلفة رأس المال وبين التكلفة الحقيقية لرأس المال، وبالتالي رأس المال الرخيص لا يحفز الاستثمار.

أستاذ بجامعة أم القرى بمكة

11