رأي شيخ مجرّب

الثلاثاء 2014/02/18

منذ ثلاثة عقود أو يزيد، وبالتحديد منذ انتهاء الحرب الباردة التي دارت تجاذباتها بين الغرب الرّأسمالي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، والشرق الاشتراكي بزعامة المرحوم الاتحاد السّوفيتي، والإسلام وبالتبعيّة المسلمون، عرضة لكلّ أنواع التحريفات والمغالطات، والحملات الإعلاميّة المغرضة، والاعتداءات بأشكالها وأنواعها المتفنّنة، حتّى أصبحت كلمة “إسلام” مرادفة لكلمة إرهاب، تماشيا وتجاوبا مع استراتيجيات وتوجيهات وتعبيرات وتسميات، وضعها أصحاب القرار، فتبنتها وسائل الإعلام، شرقا وغربا، فهضمها الجميع، ونحن ضمنهم، وسار بمقتضاها كالقطيع تحت عصا ونباح كلب الرّاعي، آمن بها واعتنقها دون وعي أو تفكير، أو حتّى تحرّ في مصداقيتها وغاياتها، إذ ما هي في النهاية إلاّ سلاح من أسلحة واضعيها، أصحاب القرار، خدمة لمصالحهم ومصالح بلدانهم.

كلّ هذا قد يتقبّله العقل، ضمن مكوّنات ومسيرات حياة الشعوب والأمم، لأنّها، فرادى وجماعات، لا تسعى إلاّ لضمان وتثبيت وتركيز مصالحها، ولو على حساب الغير، الغير الذي، إن أراد الحياة بعزّة وكرامة، فما عليه إلاّ العمل بالمثل، ووضع مصالحه نصب عينيه، والسّير والتصرف كسير وتصرف الآخرين، حتى يضمن الحياة والعيش الكريمين وإلا أكلته الذئاب.

لست أدري كيف يرى مواطنونا، أينما كانوا وفي أيّ وطن من أوطاننا العربيّة والإسلاميّة أقاموا، كيف يرون ما يتعرّض له الإسلام في كلّ مكان، وفي ما يسمّى الغرب عامّة، وهل يشعرون بما نشعر به نحن، المقيمون بأرض الغربة من هذا الغرب نفسه.

يبدو لي، من صومعتي المشرفة على العالمين الغربي والشرقي، التي أتابع منها ما يجري هنا وهناك، أنّ مواطنينا يرون الأمور بعين غير التي نرى بها نحن. أقول هذا لأنّه بينما نحاول هنا ما استطعنا، باللسان والكلمة والقلم، تصحيح ما يحرّف، وتنظيف ما يدنّس، وذكر ما جُهل، نرى إخوانا لنا كثيرين، يقومون في الضفة الأخرى بأعمال وتصرّفات، كلّ ما فيها يعزّز ويؤكد ادّعاءات وأكاذيب وتشويه المغرضين، ويأتونها مرتدين عباءة الدّين، والدّين ممّا يفعلون براء.

إنّ المؤلم الذي يزيد المتتبع بلبلة وحيرة، هو أنّ الأعمال المشينة، والتصرّفات الضّارة المضرّة، تكرّرت، ولا تزال تتكرّر، فلم يعد هناك سبيل للظنّ أو التفكير في شذوذ تلك الأعمال، ولا مصادفة تلك التصرّفات، بل أصبح من اليقين المتأكد، أنّ ما يؤتى ينفّذ بعد سابق الإصرار، ويرمي إلى غاية أو غايات مسطّرة معروفة مقصودة، فيُجبِر كلّ هذا على طرح سؤال: هل القائمون بهذه المضار والأعمال الشنيعة، والمتفوّهون بعديد التّصريحات القبيحة، هم في خدمة الطّرف المقابل، الجانب المتهجّم المعتدي؟ وهل هم حقّا مسلمون؟

لأنّ المسلم من سلم النّاس من يده ولسانه كلّ الدّلائل والبراهين توجّه الظن إلى تلك الوجهة، وجهة السّؤال المطروح آنفا. لكن بما أنّي من المؤمنين أنّ بعض الظنّ إثم، سأعطي نفسي، والقارئ الكريم أيضا، مهلة للتبصّر والتفكير والتّأمّل، كي لا يُهضَم حقّ أحد.

إنّ ما يشاع عن الإسلام، ويدان فيه من أجله، هو أنّه دين العنف، نشر رسالته بالسيف، وهضم حقوق الإنسان، واعتدى على الحرّيات، وأهان واحتقر المرأة، إلى غير ذلك من الادعاءات والأكاذيب التي لو عدّدتها لما كفتني الصّفحة. كيف إذن تصلح كلّ هذه الأخطاء، المقصودة أو غير المقصودة؟ أليس بما جاء به الدّين نفسه، وبما أوصى به نبيّه الكريم إذ قال له ربّه، ربّ العزّة والدّين: وجادلهم بالتي هي أحسن؟ بالجدال والكلمة الحسنة حاولنا هنا ما استطعنا، ونحاول بقدر ما تسمح به الظروف، تصحيح الخطأ وتسوية الاعوجاج وإظهار الحق وتلميع الصّورة المشوّهة.

فالفقير إلى ربّه كاتب هذه الأسطر، ولو أنّي لست رجل دين- رغم دراستي بجامع الزيتونة المعمور- فقد كرّست كلّ ما أمكنني، مغتنما كلّ الفرص، للدّفاع عمّن اعتدى عليه- ديننا الحنيف- عمدا أو جهلا، فكتبت وحاورت وساهمت في النّدوات وحاضرت في الحوار حول الإسلام، والأخلاق في الإسلام، والمرأة وحقوقها، والتسامح في الإسلام، مبرزا ما خفي أو طمس، حتى يعلو الحق لأن الحقّ يعلو ولا يُعلى عليه، وسيظهر الحق لأنه كما قال سبحانه “وظهر الحق وزهق الباطل إنّ الباطل كان زهوقا”.

لم أكن في هذا النّوع من الكفاح وحيدا. فغيري في ديار الغربة كثيرون، من بينهم من حسن الحظ عقلاء غربيون أبناء البلاد، عارفون يعلمون الحقائق، فيجاهد كلّ منهم بما أوتي وما استطاع.

لكن! يا ليت لكن لم تكن! لكن في هذه الأثناء يقوم غيرنا، من أبناء جلدتنا والمنسوبين على ديننا، والدّين منهم براء، بأعمال إجراميّة لا يحرّمها الدّين فحسب، بل تشجبها الأخلاق، وتدينها المفاهيم القديمة والمعاصرة، ولا يقبلها عقل حصيف. أعمال تتلقفها وسائل الإعلام فورا، فتضخمها وتزيد في مفعولها بالصّورة والتعليق، فلا يبقى من القليل الذي أنجزناه سوى الذكرى، والذكرى هنا لا تنفع أولئك المدّعين أنهم مؤمنون.

أليس في هذا ما يدفع إلى الشك، بل إلى الظنّ، بل إلى اليقين، أنّ أولئك المشعوذين ومَن وراءهم، يخدمون مصالح الذين يقولون إنهم أعداؤهم؟ أليس من حقّ العاقل المتدبّر، أن يتيقن من أنّ وراء الذين يأتون تلك الصّنائع الإجراميّة المشينة، أدمغة شرّ، تخطّط وتموّل، لأنّ كلّ ما يقومون به يحتاج إلى تمويل يعجز المنفّذون عن توفيره، بل من الأرجح أنّ المنفذين أنفسهم، باعوا ضمائرهم وأتوا ما أتوه بمقابل، اضطرّهم إليه الفقر والحاجة.

إنّ التجارب علّمتنا أنّ الصّدفة لا تتكرّر، وأنّ السّياسة لا مكان للصّدفة فيها، وأنّ ما يؤتى باسم الدّين هو في الحقيقة سياسة التحفت بعباءة الدّين، للتّمويه على العاقلين، وجلب البسطاء المصدّقين، والكلّ لغاية في نفس يعقوب. لذا نرى من واجبنا أن نقول لمن لم ينتبه بعد، أو لم ير الحقيقة كما هي، أن يعمل على الأقلّ بما أوصى الله به حين يقول، وهو أعز القائلين:“يا أيّها الذين آمنوا إذا جاءكم فاسق بنبأ فتبيّنوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين”. (صدق الله العظيم).

فليتبيّن كلّ منّا في ما يؤتى ويقال، فبذلك نسلم ولا نصبح نادمين. وللحديث بقيّة.


كاتب تونسي ودبلوماسي سابق

9