رأي شيخ مغترب: أين الحقيقة

الخميس 2014/02/27

ليس كلّ ما يتمنّى المرء يدركه لأنه وما تشاؤون إلاّ أن يشاء الله. أقول هذا لأنّه كان بودّي أن أسرد هنا الأسماء، وأعدّد الأرقام، وأذكر المصادر، وأشير إلى المراجع والأصول، وأزيل الضباب عن مصادر التمويل، فأتحدّث بمعقوليّة وأدلّة وبراهين عن كوكبة الأحزاب التي بليت بها تونسنا، وحتّى تجلو الحقائق التي من حقّ المواطن معرفتها عن تلك المصيبة التي اجتاحت تونس غداة إطاحتها بالنظام السابق وأعني ذلك السيل من الأحزاب التي برزت كالفقاقيع فوق سطح الماء، دون أن يعرف أحد من أعطى كلّ تلك التراخيص، في وقت عمّت فيه الفوضى، وتتالى فيه الماسكون بالمقاليد: وزير أوّل أراد اغتنام الفرصة فمنعته الجماهير، فرضي بالمنصب الذي احتلّه أكثر من عقد، لكن أزاحته أمواج الغضب، فجاءت القرابة برمز من الماضي له الخبرة والحنكة، فهدأت الأمور عن مضض، لكن استمرّ سيل ظهور الأحزاب، ولا أحد يعلم بأيّ قانون رخّصت، أو أيّة شروط حدّدت، ولا من أين موّلت، وأيّ البرنامج أعدّت وأحضرت. كان بودّي الإجابة عن هذه الأسئلة أو عن بعضها، وإلقاء بعض النّور حتّى تظهر حقائقها، تلبية لحقّ مشروع لكلّ مواطن، في حقّ المعرفة والإطلاع، إن كنّا حقّا نعيش تحت مظلة ديمقراطيّة، وفي هذا لعمري قولان. نويت وكنت أودّ القيام بهذا الواجب، لكن حالت ضخامة عدد الأحزاب دون رغبتي، لأنّي لا أملك معلومات موثوقة المصدر والمحتوى عن كلّ تلك الأحزاب، بينما العدل يقضي بأن يتساوى الجميع عند كلّ مساءلة أو محاسبة.

لذا سأتعرّض لحزب واحد فقط، هو حزب النّهضة، وذلك لعدّة أسباب منها، أنّ تكوينه سابق للثورة، وهذا ممّا أعطاه السّبق أمام الآخرين، وأيضا لأنه الحائز على أكبر أغلبيّة من خلال انتخابات، قيل إنها نزيهة شفافة، ثمّ إنّه- وهذا الأهمّ- حزب حاكم بأمره يفعل ما يريد، أو على الأقل حاول أن يفعل ما يريد، مغتنما سلبية شريكيه فأصبحا غطاءه ورداءه، لولا صوت الجماهير، يتصدّرها صوت المرأة، وتحرّكات الجمعيات المدنيّة. لكلّ هذا يحقّ تخصيصه، دون الآخرين، بالاستفسار والمساءلة والمحاسبة واللّوم والزّجر والشجب إن دعا الأمر.

إنّ الأساس الذي تقوم عليه الأحزاب، مهما كان لونها أو اتجاهها أو ميولاتها، هو برنامجها. برنامج يشمل جميع وكامل حاجيات ولزوميّات ومطامح وغايات الشعب أو الجماهير التي يتوجّه إليها ويعمل من أجلها. فأين برنامج حزب النّهضة؟ وما هو محتواه الاقتصادي والعلمي والثقافي والصحّي والاجتماعي والدّبلوماسي وغيره؟ إنّ كلّ ما عرفناه عنه كلمتان “شريعة وخلافة”، سُكت عنهما الآن ولا ندري هل إلى حين أو أبدا. ثمّ إن المفردتين بقيتا غامضتين. فبالنّسبة إلى الشريعة، نحن في بلد مسلم، مسلمون سكانه، والشريعة تنظم معتقداتهم وما تبعها منذ أن دخلت البلاد تحت لواء الإسلام الحنيف. فما هو الجديد يا ترى؟ هل هو كلّ تلك البدع والظواهر والمظاهر والعنف الدّيني والتصرّفات الغريبة، التي فُتحت الحدود لها فهزّت أركان البلاد وأمنها، وهي دخيلة عليها لم تعرفها من قبل ولا من بعد؟ أم الجديد تذكير بما فرض الله من أمر بالمعروف، ونهي عن المنكر، وجدال بالتي هي أحسن، وحكم بين الناس بالعدل، وإعلاء كلمة الحق، ومساواة بين المسلمين حتى وكأنهم أسنان مشط، فلا فرق إلا بالتقوى والعمل؟ فإن كان كذلك فلم ير الشعب منه شيئا وعكسه أصحّ. أمّا الخلافة، فهي أيضا حافظت على غموضها. فهل هي فرديّة قُطريّة، أم هي جماعيّة ومن ثمَّ عالميّة ذات قوانين ومرامٍ تتعدّى حدود أيّ قطر أو بلد؟ وهذه الخلافة كيف ستكون؟ هل هي خلافة أبي بكر وعمر أم هي خلافة معاوية أم خلافة السفّاح؟ إننا نطرح هذه الأسئلة لغياب برنامج حزبيّ واضح جليّ، عليه يقام العمل، وإليه تأتي التأييدات ممّن شاء وأعجبه البرنامج بمحتواه.

وكما لو لم يكن هذا كافيا، لا أحد يستطيع اليوم أن يعرف عن يقين ماذا يريد وإلى أين يرمي هذا الحزب، الذي تربّع على كرسيّ الحكم ولا يريد مغادرته، لأنّ ممثليه لهم في كلّ يوم كلام، وعند كلّ مطلع شمس رأي، وكما يقول المثل الشعبي “اللي في القلب في القلب”. إنّ ما بالقلب والضّمير، هو من خصائص الإيمان، الذي يتخذ منهما مكمنه ومسكنه. أمّا السّياسة وأحزابها وبرامجها فهي بعيدة، ويجب أن تبقى بعيدة عن كلّ إخفاء أو تستّر أو إضمار، إلا إذا كانت النّوايا غير طاهرة، والمقاصد غير بريئة، وهذا لعمري ليس في الدّين من شيء، بل هو مشجوب دينيا، وملفوظ ديمقراطيّا، ومنبوذ وطنيّا. إنّ افتقار أيّ حزب لبرنامج ومخطّط يعكس ما ينويه، وما يرمي إليه بكلّ صراحة ووضوح، وما هي المشاكل وكيف يرى ويتبنّى طرق حلّها، معلنا كلّ ذلك على الملأ، يسمح للقاصي والدّاني، لذوي النوايا الحسنة والسيّئة، للصّديق وللأقلّ صداقة، أن يؤوّلوا ويشرحوا ويتّهموا ويبرّروا، بكلّ ما تمليه عليهم أنفسهم وغاياتهم وهم في كلّ ما يقولون صادقون، وفي كلّ ما يأتون محقّون، لأنّ في انعدام الصّراحة والوضوح، وغياب الصّدق في القول وتأييده بالعمل، مدعاة للشكوك والظنون، ودفع نحو الرّيبة والحيطة. ليس هذا سوى جانب، من الجوانب العديدة التي تجبر ذوي النّهى والمخلصين، على تسديد سبّابة الاتّهام نحوه. أمّا ما يضاعف اقتناعاتهم بإدانته، فهي تصرّفات أتاها هذا الحزب، أو سمح بها، أوصمت عنها، أو لم يبحث عن مقترفيها، أو لم يُسلِّط العقاب عليهم إن عرفهم، فجميع هذه المواقف في عرف القوانين الجنائيّة، تدين صاحبها، فتجعله مقترفا أو مساهما في الإدانة. ثمّ إنّ حزب النّهضة قد ارتدى عباءة الدّين، كما سلف القول، غير أنّ مسؤوليه وأتباعه لم يعطوا المثل في هذا الإتجاه، والشعب لا يريد تطبيق ما جاء في المقولة الشعبيّة عليهم لا علينا، لأنّ المنادي بمبدأ أو رأي أو طريقة، يجب أن يعطي المثال، ليكون قدوة ومثلا يحتذى، مثله في ذلك مثل المربّي، أبا كان أو معلّما، الذي عليه أن يكون المثل الأعلى للذين يوجّههم.

ضاق المقام عن المزيد، فسأكتفي بمثل واحد هو حملات توزيع المواد الغذائية على المحتاجين في المناطق المعوزة، قام بها تبّع النهضة، بينما حكومتها تمسك بمقاليد الأمور ولم تأت شيئا من ذلك. أليس من حقّ العاقل أن يتّهمها بالرّشوة وشراء أصوات الناخبين بتلك المعونة؟ لماذا لم تقدّم بشكل حكوميّ رسميّ، ولو شارك الشعب فيها كما وقف دائما عند الحاجة؟ سنحاول الجواب إن سمحت لنا الأقدار، فلنا عودة.


كاتب تونسي ودبلوماسي سابق

8