رأي في ثقافة المحيط

السبت 2017/12/09

ثقافة المحيط، هي الثقافة العامة التي يجد المرء نفسه ملتزما بها، بهذا القدر أو ذاك، وهي ثقافة العائلة أو الحي أو القرية أو المدينة، وهي الثقافة المجتمعية أو الدينية أو الوطنية أو الأيديولوجية، حيث يرثها ويجد نفسه تحت تأثيراتها، ولم تكن له أي يد في أي من مكوناتها.

إن علاقة الفرد بثقافة المحيط، في الرفض أو القبول، علاقة ملتبسة، وبخاصة حين يكون على قدر من الوعي، إذ يفترض بعضهم، إن مثل هذا الإنسان لا بد أن يخرج على ثقافة المحيط، وكأن من سماته الأساسية أن يكون منفصلاً عن محيطه الاجتماعي، إن لم يكن على الضد منه.

بينما يجد آخرون، وأنا منهم، أن لا مسوِّغ للخروج على ثقافة المحيط، خروجاً شكلياً، بل ينبغي الإفادة منها، وهذه الثقافة ما كانت ولن تكون دائماً، مجرد مفاهيم رثة وعتيقة وميتة، يُبْتعَدُ عنها وتُستبدَلُ بما هو جديد، لأن متغيرات الوعي ومتغيرات الثقافة لا تحتل مكانها في الحياة الإنسانية، بطرد ما كان قبلها، وإنما بتمثلها والحوار معها حواراً إيجابياً عميقاً، وبهذا الحوار يكون التأثير، ومنه أيضاً يأخذ ما هو جديد مكانه ويحقق انفتاحه في الحاضر والمستقبل، وقد يفتعل آخرون، أفراداً أو جماعات، صداماً مع الموروث الثقافي، ومثل هذا الصدام المفتعل، لا يحقق التغيير ولا يؤسس لواقع ثقافي جديد وحيوي، ولن يكون في أحسن حالاته، أكثر من حالة استعراضية منفعلة وساذجة وسطحية، وعلى هذا الصعيد، أرى فرقاً شاسعاً بين افتعال صدام مع الموروث الثقافي، الذي تعبر ثقافة المحيط عن بعض توجهاته، وبين المتغيرات الثقافية الحقيقية التي تكون بفعل جدلي موضوعي، وليس بفعل التعالي على الواقع والضياع في متاهات واقع متخيَّل، ولم يتأسس بعد.

وعلى الصعيد الشخصي، ما زلت إلى يومنا هذا، ومنذ بدايات وعيي بما هو جديد وما ينبغي أن يكون وما لا بد من تغييره، في حوار عميق من داخل الواقع ومن حال التفاعل معه، وليس من حال الاستعلاء عليه والاستهانة به والقطيعة معه.

إن ما يبدو لنا قديماً في الفكر والممارسة، كان جديداً في يوم ما، وهذا الذي نراه قديماً، لن يتغير وينفتح على ما هو جديد، إلا بتغيير الواقع، أما الرفض السطحي الصادر عن انفعالات سطحية هي الأخرى، فلن يغير الواقع ولا يؤدي بماهو مغلق في الفكر والسلوك إلى الانفتاح، إنْ لم تكن -الانفعالات السطحية- والرفض الصوتي الشعاري، واعتماد معايير تقليد الآخرين وترديد ما يقولون، من أسباب المزيد من الانغلاق والمزيد من التشبث بالسائد.

وفي النتائج لا فرق بين التمسك الجامد، بما أطلقنا عليه وصف ثقافة المحيط، وبين الرفض السطحي لها، بعيداً عن الوعي والحوار وإرادة التغيير، فكل من هذين الموقفين أو من هذين الوعيين يضع الحاضر في عزلة مفتعلة عن الماضي ولا يتوفر على إدراك حقيقي للتطور والمتغيرات، كما يضعه في عزلة عن مستقبله.

إن المتغيرات المهمة في التاريخ الإنساني، بجميع مراحله ومختلف جغرافياته، سواء أكانت حضارية أم اجتماعية أم ثقافية، بدأت بتمثل الواقع في ماضيه وحاضره، ومن ثم العمل على تغييره، لتضع أولى الخطوات على ما هو جديد ومستقبلي، ومثل هذه المتغيرات، ينبغي أن تتشكل في فضاء حركة ثقافية واجتماعية عامة، حيث أن هذه الحركة -الثقافية الاجتماعية- هي التي تهيئ للتغيير، لا أن تكون مجرد وهم يرافق الظواهر الصوتية التي تندفع مع جميع المتغيرات، مهما كانت سطحية، وبخاصة تلك التي ترتبط بقوى نافذة أو سلطات حاكمة، حتى لو كانت تلك المتغيرات متناقضة ومختلفة.

كاتب عراقي

15