رؤساء تحرير من ورق

الأربعاء 2017/07/19

لم تعد وظيفة رئيس التحرير تليق بأغلب من يشغلون اليوم هذا المنصب في الصحف والمجلات والمواقع الإلكترونية العربية، وأكبر دليل على ذلك كتاباتهم التي تعكس حجم مستواهم الحقيقي.

ومن خلال متابعتي المستمرة لمقالات الرأي والافتتاحيات التي كتبها رؤساء التحرير في صحف قطرية خصوصا وعربية عموما منذ بداية الأزمة الخليجية وقطع الدول الأربع لعلاقاتها الدبلوماسية مع قطر، تأكدت أن معظم رؤساء التحرير لا يملكون مقومات مهنة الصحافة ولا أخلاقياتها.

ويكفي أن نلقي نظرة عامة على ما كتبه هؤلاء، ونحصي عدد كلمات التجريح والسب والشتم والقذف وما إلى ذلك من الألفاظ النابية، لندرك حجم الانهيار الذي أصاب المعايير الأخلاقية لمهنة الصحافة.

يرى الصحافي الأميركي جوزيف بوليتزر أنّ الصحافة من “أكثر المهن التي تتطلب العلم، وتحتاج إلى أوسع المعارف وأعمقها وأحسن الخلق”. ويتساءل إن كان يصح أن نترك هذه المهنة ذات المسؤوليات الكبيرة تمارس دون تأهيل وتنظيم؟

يبدو بوليتزر محقا في تساؤله، وخاصة بعد أن كثر من يلحقون لقب “رئيس التحرير” بأسمائهم ويتمسكون بهذا التعريف الذي لا يعرفهم، فمعظمهم يعتقدون أن حرية التعبير تبيح لهم كتابة كل ما يجول في خواطرهم وبكل الطرق والأساليب التي تفتقر للمهنية والدقة والتأني، وفي مجملها كتابات مشحونة بالعنف والبغض والتطرف وكل أشكال الحقد والكراهية، عوض أن يرتقوا بكتاباتهم التي هي في نهاية الأمر تمثلهم وتعبر عن شخصياتهم، ولا تطرح موضوعا أو قضية بقدر ما تعكس فكرا.

ويكفي هنا أن نشير إلى ما كتبه رئيس تحرير صحيفة قطرية في عنوان جمع فيه “الإنسان مع الشيطان وجعله فاجرا ومأجورا”، وقد أوردت منه بعض الفقرات على سبيل المثال على المستوى الذي نزلت إليه لغة رؤساء التحرير في قطر خصوصا، وربما هنالك ما هو أسوأ من ذلك في صحف عربية أخرى.

ونزل إلى مستوى مريع من الهبوط متهكما على رئيس تحرير صحيفة في بلد آخر لمجرد الاختلاف معه في الرأي بقوله “إن ما ذكره المدعو جار الشيطان وهو يتحدث عن سياسة أمير قطر وكيف أنها تتسبب في ضياع الدولة، يذكرنا بالعاهرة التي تدعي الشرف وهي التي تمارس الرذيلة”.

وفي نفس المقال قال رئيس التحرير “قطر لا تحتاج لدروس من عند أمثالك أيها السافل المرتزق، قطر مستعدة لكل نقد بناء، وقد أنشأت قناة الجزيرة التي تحرق جوفك…”.

ما الفرق إذن بين ما يكتبه رؤساء التحرير وما يكتبه صحافيو الصحف الصفراء أو ما يكتبه المواطن الصحافي الذي لا يملك أبجديات العمل الصحافي ولا مقوماته، إذا كان القاسم المشترك بين جميع هؤلاء كتابات مبتذلة وسطحية وتافهة وتفتقر إلى القدرة على شد القراء والتأثير فيهم.

عيب رؤساء التحرير في الصحف العربية أنهم فهموا حرية التعبير فهما خاطئا، فأخضعوا مهنة الصحافة لما هو مهين لرسالتها النبيلة، ولم يعد يهمهم غير ملء فراغات الأعمدة ومجاراة نسق التعابير الضحلة والخاوية من الروح والمعاني، التي عمت الصحف والمواقع الإلكترونية وأفقدت الصحافة مكانتها لدى القراء.

صحافية تونسية مقيمة في لندن

18