رؤوس الشياطين

السبت 2015/06/20

هل يمكن لاعتناق الأيديولوجيات التّخييلية الظّلامية، العنصرية والتّعصّبية، وتلك المعمّمة بفقه التّكفير والقتل وإنكار الآخر المختلف، وبثقافة الغرائز وتعميم الجهل وتأجيج الفتن، أن يفضي بمن يعتنقها ويروّج لها من النّاس راضيا مختارا، أو حتّى مرغما تحت ضغط إجبار بدا له قهريّا لا طاقة له برفضه فلم يبذل ما وسعه من جهد، مهما ضؤل، لمقاومته، إلى طريق آخر غير طريق فقدان الكينونة الإنسانية والسّقوط في مهاوي الهلاك؟

يبدو أن ليس ثمة من جواب ممكن عن هذا السّؤال من قبل إنسان عاقل يدرك روحانية الدّين وسمو غاياته الإنسانية ونبل مقاصده التي لا تحفّز على شيء يتصل بالدّنيا سوى إنهاض الحياة وإعمار الكون وإسعاد النّاس، يمكن أن يذهب إلى نفي ما يفترضه مضمون السّؤال نفسه من جواب مؤداه أن لا طريق آخر لهذه الأيديولوجيات الفاتكة بالحياة والنّاس، وأمام صانعيها ومصطنعيها ومروّجيها وأتباعهم وأتباع أتباعهم ومن تبعهم ومن تبع من تبعهم من النّاس إلا طريق الهلاك في الدّنيا وفي الآخرة معا.

فليس لصدّ النّاس عن ولوج الأبواب المفضية إلى إدراك جوهر الدّين الحقّ، بغية حملهم، قهرا وعسفا، أو على نعوش الاستغلال المبرمج والرّخيص لما يعانونه من جهل وفقر وعوز ومظالم وجراح وآلام ونكد عيش، على الإيمان بأيديولوجيات ومذاهب تتأسّس على معتقدات وتصوّرات تخييلية فاسدة تنتهك أصول الدين وفروعه وفروع فروعه وتناقض مقاصده الكلّيّة والفرعية، اللاهوتية الدّينية والإنسانية الدّنيوية، إلا أن يأخذ هؤلاء النّاس بعيدا عن أنوار الدّين الحقّ، وعن الحقّ نفسه، ليقف بهم على شفير هاوية ينقذفون منه إلى أغوار قبو معتم لا تتراءى لمخيّلاتهم الشّريرة في دياميسه الحالكة إلا شواظ فتاوى فاتكة و”رؤوس شياطين”.

فما رؤوس الشّياطين تلك؟ ما الهياكل التي تحملها؟ ومن هم أصحابها وصانعوها ومصطنعوها؟ وما شكلها؟ وكيف يمكن وصفها؟

قد يرى بعض السّاعين الآن إلى الإجابة عن هذه الأسئلة، كما رأى من قد سعوا إلى ذلك من قبل، أنّ أحدا من النّاس لم يبصر بأمّ عينه “رأس شيطان”، وأنّ الأمر يتعلّق بتعبير مجازي يعتمد التّشبيه لتقريب المعنى المقصود عبر تجسيد الصّورة اللّفظية في صورة حسّيّة تناظرها، ويمكن لأيّ من الحواس البشرية الخمس أن تلتقطها فتدركها، غير أنّ المفارقة التي ينطوي عليها هذا التعبير المجازي، أو التّشبيه التّخييلي”، إنما تأتي من ترك الأمر للمخيلة كي تجسّد صورة ذهنية لشيء لم يسبق لعين أن رأته ولا لحاسّة بشرية أخرى أن التقطته، ولكنّها صورة يقبلها العقل إذ يركّبها من مكونات حسّية يدركها فيجسّدها حسيّا كي يعيد تأمّلها وإدراكها وتأكيد وجودها في الوجود.

ومع ذلك، وتأسيسا على استلهام التّوضيحات والخلاصات المعرفية المؤصّلة التي تضمّنتها تأويلات عقلية، ومقاربات ثقافية وبلاغية متنوّعة ومتعدّدة الجوانب والاتجاهات لهذا التعبير البلاغي “رؤوس الشّياطين” الوارد في الآية القرآنية “أَذَلِكَ خَيْرٌ نُّزُلاً أَمْ شَجَرَةُ ٱلزَّقُّومِ. إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ. إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِيۤ أَصْلِ ٱلْجَحِيمِ. طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ ٱلشَّيَاطِينِ”، والذي يعمد، كما نرى، إلى تشبيه مجهول أوّل “طلع شجرة الزّقوم”، أي ثمارها، بمجهول آخر هو “رؤوس الشّياطين”، فإنّ قراءة هذه الآية في ضوء معطيات المراحل الحضارية المتعدّدة التي عبرتها التّجربة الإنسانية منذ المرحلة الأرواحية الأولى حتى زمننا هذا، ولا سيما لجهة تعرّف لحظة بدء تشكّل الثّنائيات المتضادّة في الوعي الإنساني وضمنها ثنائيات الحياة والموت والخير والشّر والنّعيم والجحيم، وتتبّع مسارات تطوّر آليات الإدراك الثّنائي للعالم التي تعدّدت، وتنوّعت، بل وتباينت، بتعدّد وتنوّع وتباين تجليات هذه الثّنائيات الإدراكية، وطرق تصوّرها ومنظورات مقاربتها، وملكات التقاطها من قبل هذا الوعي، يؤهّلنا لأن نقرأ، بتمعّن متفحّص وحصيف، الواقع القائم الآن في الأعم الأغلب من بلاد العرب، بل وفي أماكن شتّى من الشّرق الأوسط وقارات العالم بأسره.

فلنشرع، معا، في متابعة القراءة لاكتشاف هاته المتوازيات الدلالية الدّالة والتي سيكون لاكتشافها وإدراك مدلولاتها أن يمكنانا من العثور على إجابات عن الأسئلة التي قدّمناها.

كاتب من فلسطين مقيم في سلوفاكيا

16